نقطة على الحرف

لماذا أكتب؟

5 يوليو 2026 10:00 م

سألني أحد الأصدقاء ذات مساء، وقد بدا السؤال عابراً في ظاهره، عميقاً في مضمونه:

لماذا تكتب؟ وهل تُحدث كتاباتك أثراً، أم أنها مجرد كلمات تُلقى في فضاء الإعلام ثم تمضي؟ ابتسمتُ... ولم أُجب على الفور.

فبعض الأسئلة لا تستحق جواباً سريعاً، لأنها لا تبحث عن معلومة وإنما تفتش في فلسفة الإنسان، وفي الدوافع التي تحركه وفي الرسالة التي آمن بها طوال عمره.

أكتب لأن الكتابة بالنسبة لي ليست مهنة ولا هواية ولا ترفاً ثقافياً وإنما امتداد طبيعي لمسيرة امتدت لعقود في ميادين العمل الدبلوماسي، فمَنْ عاش في أروقة الدبلوماسية، وتعلم أن لكل كلمة وزناً، ولكل عبارة دلالة، ولكل موقف حساباته، يدرك أن الكلمة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي إحدى أدوات القوة الناعمة، وأحد مكونات التأثير في صناعة الرأي وصياغة الوعي.

لقد تعلمت في المدرسة الدبلوماسية أن السياسة ليست إدارة للأزمات فحسب، وإنما هي فن استشراف المستقبل، وأن التحليل الرصين هو الخطوة الأولى في صناعة القرار. لذلك لم تكن الكتابة بالنسبة لي خروجاً من الميدان، بل استمراراً له ولكن بأداة مختلفة.

أكتب لأن الخبرة، إذا لم تتحوّل إلى معرفة متداولة، فقدت قيمتها. ولأن التجارب التي لا تُوثق، ولا تُنقل إلى الأجيال، تصبح جزءاً من ذاكرة الأفراد، لا من ذاكرة الدولة.

وفي العلاقات الدولية، كما في إدارة الدول، تُعد الذاكرة المؤسسية أحد أهم عناصر الاستقرار والاستمرار. أما حين تُهمَّش الخبرات، ويُستبعد أصحاب التجارب وتُدار المؤسسات بمنطق الوفورات المالية الآنية فإن الخسارة لا تكون في الأشخاص، بل في تراكم المعرفة، وفي القدرة على قراءة المشهد قبل أن تفرضه الأحداث.

لقد علمتني الدبلوماسية أن الوقاية السياسية أقل كلفة من إدارة الأزمات وأن بناء الرؤية الإستراتيجية أهم من الاكتفاء بردود الأفعال وأن القرار الرشيد لا يُبنى على الانطباعات، بل على التحليل، واستشراف السيناريوهات، وتقدير المواقف، وقراءة موازين القوى، وفهم المصالح الوطنية في سياقاتها الإقليمية والدولية.

ومن هنا أكتب...

لا لأنني أزعم امتلاك الحقيقة، فالحقيقة في السياسة نسبية، وتُبنى على المعلومات والمعطيات وموازين المصالح. ولا لأنني أبحث عن موقع أو منصب. وإنما أكتب لأنني أؤمن أن مَنْ امتلك خبرة، ثم كتمها، فقد قصّر في أداء واجبه الوطني.

إن حب الوطن لا يُقاس بارتفاع الشعارات، بل بصدق العطاء. والكلمة المسؤولة إحدى صور هذا العطاء.

أكتب لأنني أرى أن الأمن الوطني لا يبدأ عند الحدود، بل يبدأ من الوعي. وأن الأمن القومي لا تحميه الجيوش وحدها، وإنما تحميه كذلك الأفكار المستنيرة، والرؤى الاستراتيجية، والنقاشات الوطنية الرصينة التي تسبق صناعة القرار، ولا تنتظر وقوع الأزمة.

وأكتب لأنني أؤمن بأن الاختلاف في الرأي لا يُفسد الانتماء، بل يثريه. وأن التحليل الموضوعي ليس معارضة، كما أن التأييد لا يعني التصفيق. فالدبلوماسية علمتني أن مساحة الحكمة أوسع كثيراً من مساحة الانفعال، وأن الحوار المسؤول هو الطريق الأقصر نحو التوافق الوطني.

لقد منحتنا الثورة الرقمية فضاءً رحباً للتواصل مع المجتمع، وأصبحت الكلمة تصل إلى القارئ في لحظات، وتتجاوز الحدود والجغرافيا. غير أن اتساع المنصات لا يعني بالضرورة اتساع الوعي، ولا كثرة الآراء تعني جودة التحليل. لذلك أشعر بمسؤولية مضاعفة في أن أكتب بلغة هادئة، وعقلٍ بارد، ورؤية تستند إلى الخبرة أكثر مما تستند إلى ردود الأفعال.

قد يختلف معي البعض، وقد يتفق آخرون، وهذا أمر طبيعي، بل صحي. فالكاتب الحقيقي لا يبحث عن الإجماع، وإنما يبحث عن احترام العقول، وإثراء النقاش العام، وإضافة زاوية جديدة للنظر.

وفي نهاية المطاف، لا أعتبر نفسي صاحب الكلمة الأخيرة، بل صاحب تجربة متواضعة أضعها بين أيدي أبناء وطني، فإن وجدوا فيها ما يفيد أخذوا بها، وإن رأوا غير ذلك فقد أدّيت ما يمليه عليّ ضميري المهني والوطني.

ولذلك، إذا تكرّر السؤال يوماً: لماذا تكتب؟ فسأجيب بثقة الدبلوماسي الذي آمن برسالته:

أكتب لأن الأوطان تحتاج إلى صُنّاع الوعي.