ترامب يمسك بزمام «الزفاف الإجباري» مع نتنياهو

4 يوليو 2026 10:00 م

- زيارة نتنياهو المرتقبة لواشنطن ... 3 سيناريوهات رئيسية
- رئيس الوزراء يصر على الحفاظ على منطقة أمنية في الجنوب ويعتبر الاتفاق مع لبنان «ضربة لحزب الله وإيران»
- مضطر لقبول الاتفاق الإطاري مع إيران لمرحلة معينة مقابل حصوله على حزمة تعويضات أمنية وسياسية... كبيرة جداً

يستعد بنيامين نتنياهو، رجل السياسة الإسرائيلية الأكثر دهاءً، لخوض أخطر جولاته الدبلوماسية على الإطلاق. ليست هذه مجرد زيارة بروتوكولية سابعة إلى البيت الأبيض، بل هي «مواجهة البقاء» التي ستحدد ما إذا كان الزعيم الإسرائيلي سيظل لاعباً رئيسياً في ملف إيران، أم سيتحول إلى مجرد متفرج على مسرحية كتبها الرئيس دونالد ترامب، باتقان.

في غضون أسابيع قليلة، انقلبت العلاقة بين «الصديقين الحميمين» رأساً على عقب. فبدلاً من التنسيق المعتاد والتناغم العلني، طغت نبرة التوتر والحدة على المكالمات الهاتفية، وتحولت تصريحات القادة إلى رسائل مشفرة تعكس صراعاً خفياً حول من يملك القرار النهائي في الملفات المصيرية للشرق الأوسط.

بينما يتجه نتنياهو، إلى البيت الأبيض هذه المرة، فإنه لا يحمل في جعبته وعوداً بالنصر، بل يحمل «كيساً من التنازلات» التي قد تضطر حكومته لقبولها تحت وطأة الضغوط الأميركية، في مشهد يمكن وصفه بـ «زفاف إجباري» حيث يظل التنسيق الأمني وثيقاً، لكن الثقة السياسية تتداعى كخيوط العنكبوت.

فما الذي ينتظر نتنياهو، في واشنطن؟ ولماذا تحولت العلاقة من تحالف إستراتيجي إلى لعبة شد الحبل؟ ومن سينتصر في النهاية: المنطق الأميركي الحريص على تجنب الحرب، أم العقيدة الإسرائيلية التي ترى في إيران تهديداً وجودياً لا يقبل التهاون؟

«أسطورة التحالف المقدس»!

خلافاً للصورة النمطية التي رسمتها وسائل الإعلام لعقود حول التحالف الأميركي-الإسرائيلي «الذي لا يتزعزع»، كشفت الأسابيع التي سبقت الزيارة عن شرخ عميق يكاد يكون غيابياً في العلاقة بين البلدين. فما بدا كخلافات تكتيكية حول إدارة الحرب، تحول بسرعة إلى مواجهة مفتوحة تعكس تحولاً جوهرياً في الرؤية الإستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب.

أبرز ملامح الانهيار السياسي

صراع القيادة والمبادرة: جاء التصريح الأميركي الصارم «أنا من يحدد الأمور» (I call the shots) ليكون الصاعقة التي أيقظت نتنياهو، من غروره السياسي. فبعد سنوات من التدخل الإسرائيلي في السياسة الأميركية، ها هو ترامب، يضع حداً فاصلاً لهذه اللعبة، معلناً أن زمام المبادرة لن يخرج من البيت الأبيض.

هذا التصريح الموجع لم يكن مجرد نزوة عابرة، بل كان إعلان حرب على سياسة «الذراع الطويلة» التي مارستها إسرائيل لعقود.

الاتهامات المتبادلة بالتعنت: المصادر الإسرائيلية كشفت عن مكالمات هاتفية حادة بين الرجلين، تضمنت «اتهامات وشتائم» لم يعتد عليها الشارع السياسي في العلاقة بين البلدين.

فقد اتهم ترامب، نتنياهو، بالمضي قدماً في عمليات عسكرية في لبنان رغم رغبة واشنطن الواضحة في تهدئة الجبهات لتسهيل المفاوضات مع إيران، بينما رد نتنياهو، بتأكيد «حق إسرائيل الكامل في الدفاع عن نفسها» حتى لو كان ذلك ضد الإرادة الأميركية.

الانقسام الجمهوري المحرج: وضع الخلاف العلني الجمهوريين في موقف لا يحسدون عليه. فبين دعمهم التاريخي لنتنياهو، كرمز لحليف إسرائيل، وولائهم المطلق لترامب، كزعيم للحزب، وجدوا أنفسهم ممزقين بين النارين. بعضهم دعا نتنياهو، صراحة للتقرب من موقف الرئيس الأميركي، في مشهد يعكس تآكل النفوذ الإسرائيلي في واشنطن.

أجندة الزيارة - ثلاثية الملفات الشائكة

عندما يجلس نتنياهو، على طاولة المفاوضات في البيت الأبيض، سيكون أمامه ثلاثة ملفات مصيرية، كل منها يحمل في طياته قنبلة موقوتة قد تفجر العلاقة بأكملها:

إيران والاتفاق النووي«كارثة إستراتيجية» أم «فرصة تاريخية»؟

يمثل الملف الإيراني القلب النابض للأزمة برمتها. فبينما تنظر إسرائيل إلى الاتفاق الإطاري الذي تقوده واشنطن مع طهران - والذي تضمن مذكرة تفاهم لإعادة فتح مضيق هرمز ووقف إطلاق النار - على أنه «كارثة سياسية وأمنية» بامتياز، تراه واشنطن بمثابة «بوابة عبور» نحو استقرار إقليمي قد يغير قواعد اللعبة في المنطقة.

الموقف الإسرائيلي الصلب

تصر إسرائيل على أن أي اتفاق يجب أن يشمل تفكيك البنية التحتية النووية الإيرانية بالكامل، وليس فقط تجميد التخصيب أو تخفيضه.

يرى نتنياهو، أن الاتفاق الحالي هو «تمهيد لحرب مستقبلية» ويمثل «انتصاراً إستراتيجياً لإيران» في صراعها مع الغرب.

يؤكد المسؤولون الإسرائيليون أن الاتفاق من دون معالجة البرنامج الصاروخي ودعم التنظيمات الإقليمية هو «اتفاق ناقص» يمنح إيران غطاءً دولياً لمواصلة مشروعها التوسعي.

الموقف الأميركي الواقعي

يركز ترامب، على نزع كل المواد المخصبة ومنع التخصيب لعقود، مع فرض حصار بحري مشدد على إيران كأداة ضغط إضافية.

تريد واشنطن إنجاز اتفاق «أفضل» من اتفاق 2015، لكنها تدرك أن الحرب المفتوحة لم تعد تخدم المصالح الأميركية في وقت تعاني فيه الإدارة من استنزاف سياسي وعسكري.

تعتبر الإدارة الأميركية أن الاتفاق الإطاري يمثل «فرصة ذهبية» لإنهاء عقود من العداء مع طهران، وإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة بما يخدم المصالح الأميركية.

ورقة نتنياهو الضاغطة

يحاول نتنياهو، تمرير ما يُعرف بـ «الهندسة الخفية» للسياسة الأميركية تجاه إيران، وهي إستراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد تهدف لوضع قيود هيكلية على أي تفاهمات أميركية - إيرانية. لكنه يصطدم بحقيقة أن إيران رفضت مسبقاً إدراج البرنامج الصاروخي ودعم التنظيمات في أي اتفاق، ما يضع إسرائيل في موقف صعب حيث تبقى خياراتها محدودة بين القبول بالواقع الجديد أو المخاطرة بمواجهة مفتوحة مع واشنطن.

لبنان - «المنطقة الأمنية» مقابل «الانسحاب الأميركي»

في جبهة لبنان، يبدو المشهد أكثر تعقيداً. إذ يصر نتنياهو، على الحفاظ على منطقة أمنية في جنوب لبنان، معتبراً أن التقدم العسكري الإسرائيلي خلق «تغييراً هائلاً» في الميزان الميداني ودفع حزب الله إلى التراجع. لكن واشنطن تنظر إلى استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان على أنها عقبة رئيسية أمام مفاوضات السلام الإقليمي، وتريد استبدالها بضمانات دولية وآليات مراقبة أممية.

المنطقة العازلة: أشار نتنياهو، إلى أن الاتفاق مع لبنان يمثل «ضربة لإيران» وحزب الله، لكنه أكد أن إسرائيل ستبقي المنطقة الأمنية طالما بقيَ التهديد قائماً. في المقابل، تريد واشنطن وقفاً دائماً لإطلاق النار لتعزيز استقرار الهدنة مع إيران وتهيئة الأجواء لحوار أوسع.

الصراع الخفي: تخشى إسرائيل من أن يؤدي الانسحاب الأميركي من الضغط على لبنان إلى إعادة ترتيب القوى لصالح حزب الله وإيران، ما يقوض المكاسب العسكرية الإسرائيلية التي تحققت بدماء غالية.

الملف الثالث: «التنسيق الأمني» و«الخطوط الحمراء» - لعبة الأوراق الأخيرة

يبدو أن نتنياهو، سيقدم في واشنطن على ما يشبه «المساومة التاريخية». فهو مستعد لقبول الاتفاق الإطاري مع إيران، لكن مقابل حزمة تعويضات أمنية وسياسية كبيرة جداً، تشمل:

أنظمة دفاع جوي متطورة: تحديث ترسانة إسرائيل الدفاعية لمواجهة أي تهديدات صاروخية إيرانية مستقبلية.

اعتراف أميركي رسمي بالمنطقة الأمنية في لبنان لفترة انتقالية: لمنح إسرائيل غطاءً سياسياً لاستكمال انسحابها التدريجي بشروط.

ضمانات أميركية بعدم السماح لإيران بالعودة إلى مستويات تخصيب عالية: وهي نقطة يعتبرها نتنياهو «خطاً أحمر» لا يمكن تجاوزه.

وفي هذا السياق، أشار ترامب، ونائبه جاي دي فانس، إلى أن الهدف الأساسي هو نزع المواد المخصبة ومنع التخصيب لعقود، ما يعطي مؤشراً على أن واشنطن مستعدة لتقديم تنازلات أمنية كبيرة مقابل التزام إسرائيلي بعدم عرقلة الاتفاق.

أدوات النفوذ الإسرائيلية - كيف سيلعب نتنياهو أوراقه الأخيرة؟

رغم التوتر العلني وتراجع التأثير السياسي، لايزال نتنياهو، يمتلك مجموعة من أدوات النفوذ التي قد تمكنه من قلب الطاولة، أو على الأقل كسب بعض المكاسب في تفاصيل الاتفاق:

التنسيق الأمني المؤسسي - العمود الفقري للعلاقة

أكد نتنياهو، أن التنسيق مع الإدارة الأميركية يتم «يومياً» ويشمل اطلاعاً كاملاً من قبل نائب الرئيس جي دي فانس. هذا التنسيق العملياتي الوثيق، الذي يشمل ضربات مشتركة وتبادلاً استخباراتياً غير مسبوق، هو الركيزة الأساسية للعلاقة التي لا يمكن لأي طرف تجاهلها. هذا الأمر يمنح إسرائيل نافذة دائمة على السياسة الأميركية وقدرة على التأثير في القرارات الميدانية الصغيرة حتى لو كانت الرؤية الإستراتيجية مختلفة.

الضغط عبر الكونغرس - الورقة الجمهورية

رغم خلافه مع ترامب، يتمتع نتنياهو، بدعم قوي من جناح كبير في الحزب الجمهوري في الكونغرس. هذا الدعم قد يستخدمه للضغط على البيت الأبيض لإبقاء الملف الإيراني ضمن «الخطوط الحمراء» الإسرائيلية، من خلال التشريعات والمواقف السياسية التي تحد من مرونة الإدارة في التفاوض مع طهران.

الورقة العسكرية - تهديد العمل المنفرد

ربما تكون أخطر أوراق نتنياهو، هي التهديد بالعمل منفرداً ضد إيران إذا تجاوزت «الخط الأحمر» الصاروخي أو العتبة النووية. هذه الورقة تهدف لدفع واشنطن لتشديد موقفها خشية جرها لحرب جديدة في المنطقة. ومع أن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة قد تؤدي إلى مواجهة عسكرية شاملة، فإن نتنياهو، يعتبره «ورقة الضغط الأخيرة» التي قد تغير موازين القوى في المفاوضات.

بناءً على قراءة معمقة للمشهد السياسي والأمني بين تل أبيب وواشنطن، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل العلاقة ومآل المفاوضات الإيرانية:

«التسوية المؤلمة» أو «زفاف إجباري» (الأكثر ترجيحاً)

في هذا السيناريو، يكون نتنياهو، مضطراً لقبول الاتفاق الإطاري مع إيران، لكنه يحصل على حزمة تعويضات أمنية وسياسية كبيرة جداً تمكنه من بيع الاتفاق لجمهوره الداخلي كإنجاز. هذه الحزمة قد تشمل تحديث صفقات الأسلحة الأميركية، اعترافاً أميركياً رسمياً بالمنطقة الأمنية في لبنان لفترة انتقالية، وضمانات أميركية بعدم السماح لإيران بالعودة إلى مستويات تخصيب عالية.

ما بعد السيناريو: تبقى العلاقة أشبه بـ «هدنة مسلحة»، حيث التنسيق الأمني هو الشريان الوحيد الذي يربط الطرفين، بينما تظل الثقة السياسية هشة ومتأرجحة، مع استمرار السباق الخفي بين الدبلوماسية الأميركية والخيارات العسكرية الإسرائيلية في الظل.

«التصعيد الإسرائيلي المحدود» أو «حرق المراحل»

إذا شعر نتنياهو، أن الاتفاق يهدد وجوده السياسي أو أمن إسرائيل الإستراتيجي، فقد يلجأ إلى عمليات استخباراتية أو ضربات محدودة ضد أهداف إيرانية لـ «حرق» فرص الاتفاق، في محاولة يائسة لجر واشنطن مجدداً إلى مربع التصعيد. هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة قد تؤدي إلى انهيار المفاوضات وتصعيد عسكري واسع في المنطقة.

ما بعد السيناريو: قد تشهد العلاقة أزمة ثقة غير مسبوقة، مع تبادل الاتهامات بين الطرفين حول من يتحمل مسؤولية فشل الاتفاق، وقد تتحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح بين إسرائيل وإيران في ظل غياب الغطاء الأميركي.

«القطيعة الإستراتيجية» (سيناريو مستبعد ولكن ممكن)

في حال قررت واشنطن المضي قدماً في الاتفاق دون أي مراعاة للمخاوف الإسرائيلية، قد تشهد العلاقة بين البلدين قطيعة إستراتيجية حادة. بعض المحللين يرون أن هذا السيناريو قد يسرع بتحول المنطقة من نموذج «الهيمنة العسكرية» إلى نموذج «إدارة الصراع» بمشاركة أطراف إقليمية أخرى، وهو ما تقاومه إسرائيل بشدة.

عندما يغادر نتنياهو، البيت الأبيض هذه المرة، لن يكون مثل كل المرات السابقة. لن يحمل في جعبته صوراً ابتسامية مع ترامب، أو وعوداً بانتصارات ساحقة على إيران، أو حتى تأكيدات على «التحالف الأبدي». بدلاً من ذلك، سيعود إلى تل أبيب محملاً بـ «وصفات بقاء» مؤقتة، وكيس من التنازلات التي قد تثقل كاهله سياسياً.

لقد انتهى عصر «الابتزاز العاطفي» بين الرجلين، وحل محله منطق المصالح المتقاطعة والحسابات الباردة. تبقى العلاقة بين تل أبيب وواشنطن أشبه بـ «جسر معلق» فوق هوة الخلافات العميقة. المفاجأة الحقيقية ليست في ما سيُعلن عنه الطرفان في المؤتمرات الصحافية، بل في ما سيُخفيه من بنود سرية واتفاقات غير معلنة، قد تغير قواعد اللعبة بأكملها في الشرق الأوسط.

في النهاية، يبقى السؤال الأكبر: هل هي نهاية حقبة «الهيمنة الإسرائيلية» على القرار الأميركي في الشرق الأوسط، أم أنها مجرد محطة في صراع طويل الأمد بين واشنطن وتل أبيب حول من يملك الكلمة الأخيرة في ملف إيران؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.