في تحوّل نوعي في الخطاب الأمني الإسرائيلي، لم تعد تركيا تُنظر إليها كمنافس إقليمي تقليدي، بل كتهديد إستراتيجي متكامل الأبعاد. فقد وصفت صحيفة «معاريف» تركيا بأنها «تهديد أكبر وأكثر خطورة على إسرائيل من إيران»، مستندة إلى امتلاك أنقرة ثاني أكبر جيش في حلف «الناتو»، وتحقيقها نسبة 80 % من الاكتفاء الذاتي في الصناعات الدفاعية.
يؤكد المحلل الإستراتيجي الإسرائيلي هاي إيتان كوهين يانروجيك من مركز ديان بجامعة تل أبيب أن «تركيا ليست إيران»، مشيراً إلى أن الفارق الجوهري يكمن في أن تركيا دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، تمتلك تكنولوجيا عسكرية متقدمة، وقدرات صناعية دفاعية ذاتية، وهو ما يجعلها تهديداً أكثر تعقيداً وتنوعاً.
الترسانة الجديدة: الأسلحة التي تثير القلق الإسرائيلي
أ - الصواريخ الفرط صوتية والبالستية
كشفت تركيا عن صاروخ «تاي فون بلوك 4» (TAYFUN Block-4) في معرض «IDEF» 2025، وهو صاروخ بالستي يزن أكثر من 7 أطنان ويبلغ طوله 10 أمتار، صُمم لاستهداف الأصول الاستراتيجية مثل أنظمة الدفاع الجوي ومراكز القيادة.
وتخطط تركيا لتمديد مدى الصاروخ إلى 1000 كيلومتر، مما يضعه ضمن فئة المنظومات المسرحية بعيدة المدى.
يحذر المحلل الإسرائيلي من أن هذا الصاروخ، إلى جانب «تاي فون بلوك 2» الذي بدأ تشغيله العملياتي، يشكلان تهديداً مباشراً لقدرات إسرائيل واليونان وقبرص. وأشار محللو «معاريف» إلى أن التهديد الأبرز في أي مواجهة محتملة قد يأتي من البحرية التركية، التي تضم 16 غواصة وسفينة الهجوم البرمائي «تي جي جي أناضولو».
ب - «غزاب» و«حيات»
إلى جانب الصواريخ، كشفت تركيا عن قنبلتين جويتين بوزن 2000 رطل، هما «غزاب» و«حيات»، اللتان توسعان القدرات الهجومية وتعززان قدرة أنقرة على إسقاط القوة في شرق المتوسط وعمق الشرق الأوسط.
ج - القوة الجوية
في تحليل نشرته صحيفة «إسرائيل هيوم» صرّح خبير الدفاع أهارون لابيدوت بأن «تركيا أعادت بناء تفوقها الجوي»، واصفاً أنقرة بأنها أصبحت «صانع ألعاب السماء».
وجاء في التحليل: «اليوم، تواجه إسرائيل تركيا التي تمتلك طائرات يوروفايتر تايفون جديدة، وأسطولاً ضخماً من طائرات F-16 المطورة، وطائرة من الجيل الخامس (KAAN) على وشك دخول الخدمة، ونظاماً بيئياً متوسعاً من المسيرات والحرب الإلكترونية».
وأشار لابيدوت إلى صفقة الـ 9 مليارات يورو التي أبرمتها تركيا لشراء 20 طائرة «يوروفايتر تايفون» من بريطانيا، وأكد أن هذه الخطوة تسد فجوتين حرجتين في آن واحد: توفير منصة فورية للتفوق الجوي بمستوى الناتو، وتقديم بديل استراتيجي لأسطول «إف - 16».
د - رمز الاستقلال الإستراتيجي
في تحليل نشرته مجلة «Eurasian Times»، قال المحلل الإسرائيلي شاي غال إن مشروع KAAN أصبح «رمزاً لإرادة أنقرة في عدم الانحناء في المجالات الاستراتيجية». وأضاف أن تركيا دخلت سباق الطائرات من الجيل الخامس، وهي الآن في صلب اللعبة، مشيراً إلى أن برنامج KAAN تجاوز مشروع «لافي» الإسرائيلي الذي ألغي في الثمانينيات تحت الضغط الأميركي.
ورغم اعتماد KAAN الحالي على محركات أميركية (F110)، يشير غال إلى أن تطوير المحرك المحلي «TF-35000» قد ينهي هذا الاعتماد، مؤكداً أن «الرقابة الأميركية قد تبطئ أنقرة لكنها لن توقفها».
سوريا والتمدد متعدد الأبعاد
يرى المحللون الإسرائيليون أن الوجود التركي في سوريا يشكّل نقطة الاحتكاك الأكبر. فتركيا، بدعمها للفصائل الموالية لأنقرة، وسعيها لإعادة ملايين اللاجئين، وتعاونها ضد الأكراد، تعزّز نفوذها في العمق السوري، مما يثير قلقاً إسرائيلياً من احتمال حدوث احتكاك مباشر بين القوات التركية والإسرائيلية في المنطقة الأمنية جنوب سوريا.
إلى ذلك، يشير المحلل شاي غال إلى أن تركيا وسّعت وجودها خارج حدودها، مع أكبر قاعدة عسكرية لها في الصومال، إلى جانب وجودها في شمال قبرص، مما يضع إسرائيل في مواجهة تهديد من محاور عدة.
ويضيف أن مواقع الأنظمة الصاروخية التركية المنتشرة في الأناضول وشمال قبرص والقرن الأفريقي تضع المدن الإسرائيلية في مرمى النيران.
البُعد الجيوسياسي: تنافس على النظام الإقليمي
لا تنظر إسرائيل إلى تركيا كعدو أيديولوجي فقط، بل كقوة تسعى إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها. في هذا السياق، يلفت المحللون إلى:
محور النقل والطاقة: تسعى تركيا لبناء محور تجاري وطاقة يمتد من الخليج إليها عبر سوريا والعراق، وهو مشروع منافس للرؤية الإسرائيلية التي تهدف إلى إنشاء محور عرضي يربطها بالخليج والهند.
التحالف الرباعي: تسعى تركيا لتشكيل تحالف، يُشكل تحدياً للتحالفات الإسرائيلية في المنطقة.
دعم «حماس»: يُعتبر الدعم التركي المستمر لحركة حماس، وتحديداً «مقر الضفة الغربية» في إسطنبول، خطاً أحمر، حيث يُتهم مسؤولون أتراك بتقديم دعم لوجستي ومالي وعسكري لخلايا الحركة في الضفة الغربية.
الموقف الإسرائيلي المتضارب
رغم التصعيد الخطابي المتبادل، تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن تل أبيب لا ترغب في مواجهة عسكرية مفتوحة مع تركيا، وذلك لأسباب استراتيجية:
أولوية التهديدات القائمة: لاتزال إسرائيل منشغلة بمواجهة التهديدات النووية الإيرانية وتهديد «حزب الله» في لبنان وإعادة ترتيب أوضاع غزة.
العلاقة مع واشنطن: تركيا حليف رئيسي للولايات المتحدة في «الناتو»، وأي مواجهة معها قد تضع إسرائيل في موقف محرج مع الإدارة الأميركية.
السيناريوهات المستقبلية
في تحليل إستراتيجي نشرته «إسرائيل هيوم»، يتحدث المحلل شاي غال عن خطة إسرائيلية طارئة تحت اسم «غضب بوسيدون» (Poseidon's Wrath)، وهي إطار عمل يُحدد شروطاً لإنهاء الوجود التركي في شمال قبرص واستعادة السيادة القبرصية من خلال عمل عسكري منسق بين إسرائيل واليونان وقبرص.
ويصف غال هذه الخطة بأنها «ليست سيناريو، بل تسلسلاً إجرائياً».
وفي سياق متصل، يتطرق تقرير لصحيفة «يديعوت أحرونوت» إلى أن الخوف من الصدمات التي تُحدثها إسرائيل في المنطقة أصبح محوراً أساسياً في التعاون الإقليمي التركي، مما يُشير إلى بنية جديدة تختلف تماماً عن الشرق الجديد الذي كانت إسرائيل تتطلع إليه.
في نظر المؤسسة الأمنية، لم تعد تركيا مجرد عدو بالوكالة أو منافس خطابي؛ بل أصبحت دولة تمتلك قدرات عسكرية متطورة، وصناعة دفاعية ذاتية، ورؤية إستراتيجية طموحة لإعادة تشكيل المنطقة.
ومع إدراك إسرائيل أنها قد لا تملك الرفاهية الإستراتيجية لخوض مواجهة جديدة، فإنها تبقى في حال تأهب قصوى، وتُعد السيناريوهات، وتُراهن على التقييد الأميركي لاحتواء التصعيد، مع إبقاء الخيار العسكري مطروحاً كأداة ردع أخيرة.