هناك سمة صغيرة بالغة الأهمية على وجه كل إنسان ولا يعرف معظم الناس اسمها رغم رؤيتها في المرآة كل يوم، وهي ذلك الأخدود الصغير الضيّق الممتد عمودياً بين الأنف والشفة العليا، والمعروف في اللغة العربية باسم «النثرة». وعلى ما يبدو من بساطة هذا الأخدود، فإن قصة وجوده تخفي بداخلها واحدة من أكثر روايات الأحياء تعقيداً ورسوخاً في التاريخ التطوري للكائنات الفقارية.
ولفهم سبب وجود الـ«نثرة» لدى البشر، لا بد من استيعاب الطريقة التي يتشكّل بها الوجه في رحم الأم. فالوجه الفقاري لا يتكوّن من ورقة نسيجية واحدة متواصلة، بل يُجمَّع من مناطق خلوية منفصلة تهاجر وتلتحم مع بعضها خلال مراحل الجنين.
وفي البشر، تتصاعد هذه العملية البنائية خلال الأسبوع الخامس والعاشر من الحمل، حيث تتلاقى ثلاثة هياكل رئيسية وتندمج لتشكّل المنطقة الواقعة أسفل الأنف. وما الـ«نثرة» في نهاية المطاف إلا الندبة الظاهرة حيث التقى النسيجان الأيمن والأيسر في المنتصف، كما لو أن سحّاباً أُحكم إغلاقه من الجانبين في آنٍ واحد.
وهذا التصميم المعياري في بناء الوجه ليس حكراً على الإنسان البتة، فالأسماك والبرمائيات والزواحف والثدييات كلها تبني وجوهها وفق البرنامج التطوري ذاته. ولهذا السبب، يظهر ما يوازي الـ«نثرة» لدى فئات واسعة من الفقاريات. ففي الكلاب والقطط، يعمل الأخدود المركزي في المنطقة نفسها كنظام لتوجيه الرطوبة القادمة من الأنف نحو الشفتين، ما يعزز قدرتها الحاسية الكيميائية. أما في الأرانب، فيظهر الأخدود بشكل أكثر بروزاً لارتباطه المباشر بتشريح الشفة التي تستخدمها في التغذية. وفي البشر، فقد هذا التجويف وظيفته الأصلية إلى حد كبير، ويصنّفه العلماء اليوم ضمن ما يُعرف بـ«الهياكل الأثرية»، وهي تلك الموروثات التطورية التي احتفظ بها الجسم من الماضي البعيد، سواء لأن الانتقاء الطبيعي لم يجد مبرراً كافياً للتخلص منها، أو لأن البرنامج الجيني الذي يبنيها عميق الجذور جداً.
ولعل أكثر الأمثلة إثارة على المدى الذي يمكن فيه إعادة توظيف هذا النسيج الوجهي، هو ما يُعرف بالخلد النجمي الأنف (Condylura cristata)، وهو حيوان ثديي حفّار صغير من أميركا الشمالية تحوّل فيه النسيج المحيط بالأنف والشفة العليا إلى 22 مجسّاً وردياً اللون تشكّل أداة حسية مذهلة لصيد الفرائس. وقد أثبت باحث من جامعة فاندربيلت عام 2012 أن هذا الخلد قادر على تحديد فريسته وابتلاعها في 120 ميلي ثانية، ليُصنَّف أسرع آكل ثدييات في العالم.
وتتضح أهمية الـ«نثرة» جلياً حين تسوء الأمور، إذ يحدث تشقق الشفة عندما تفشل مناطق النسيج الوجهي الجنيني في الالتحام خلال مراحل النمو، مخلّفةً فتحة أو شقاً في الشفة العليا أو الحنك. وتُشير بيانات نُشرت عام 2025 في مجلة Frontiers in Pediatrics إلى أن هذه الحالة تصيب نحو 1 في كل 700 مولود حول العالم، ما يجعلها من أكثر العيوب الخلقية شيوعاً. وتشير دراسة أجريت في العام 2021 إلى أن ملامح هذا الأخدود تؤثر أيضاً في إدراك الجاذبية وتقدير العمر.
والرسالة الأعمق لهذا التجويف الصغير هي أن التطور نادراً ما يُعيد رسم أنظمته من الصفر، بل يلجأ إلى تعديل ما يجده أمامه وإعادة توظيفه.
وخلاصة القول هي أن الوجه البشري مُصنَّع وفق إرشادات جينية تسبق ظهور الثدييات بمئات الملايين من السنين، وذاك الأخدود الصغير الذي فوق شفتك ما هو إلا «أثرٌ نحتي» تركه برنامج تطوري قديم لايزال يعمل في أنسجة حيّة.