أطلق تطبيق «واتساب» ميزة جديدة تتيح للمستخدمين التواصل دون الحاجة إلى مشاركة أرقام هواتفهم، وهي ميزة تبدو للوهلة الأولى تحسيناً مباشراً للخصوصية. لكنها تستدعي التوقف عند توتر عميق يُشكّل الإنترنت منذ سنوات: الضغط المتزايد على المستخدمين ليصبحوا أسهل في الإيجاد والتعرف عليهم، بينما ينصح أمن المعلومات في العادة بعكس ذلك تماماً.
من يسعى إلى بناء حضور مهني ناجح يتلقّى توصيات معروفة، وهي: استخدم اسمك الحقيقي، وحافظ على اسم مستخدم موحّد في جميع المنصات، وطوّر ملفاً شخصياً على LinkedIn، واحرص على أن يجدك الآخرون بسهولة. والرسالة الضمنية واضحة: ابنِ حضوراً رقمياً معروفاً ومميزاً.
أما مجال الأمن السيبراني فيدفع في الاتجاه المعاكس، إذ إن تقليص الأثر الرقمي وتفرقة الهوية بين المنصات المختلفة يُقلّصان مساحة المخاطر. ويُقدّم المقال نموذجاً مقارناً بين شخصيتين: «جين»، الأكاديمية التي تعمدّت بناء هوية متسقة ومتكاملة عبر جميع منصاتها، فيجدها الجميع بنقرة واحدة. و«مايكل»، الذي يظهر بأسماء مختلفة على منصات مختلفة، فيجد الغرباء صعوبة في فهم هويته الكاملة، وإن كان أصدقاؤه يعرفون كيف يصلون إليه.
وتجيء ميزة أسماء المستخدمين في واتساب كامتداد لهذا الاتجاه الذي يجعل هوياتنا الرقمية أكثر «قابلية للنقل» وحضوراً عاماً؛ حيث تتصل حسابات على منصات سناب شات وإنستغرام وريديت وديسكورد وتيك توك وGitHub وX وعشرات منصات الألعاب بأسماء يختارها المستخدمون ويعرفون بها. وتبقى هذه الأسماء في قلب قدرة الأصدقاء على التواصل، ونمو المجتمعات، واستمرار المحادثات.
وعلى المستوى العملي، تُمثّل خطوة واتساب للابتعاد عن أرقام الهواتف تحسيناً حقيقياً للخصوصية، لأن رقم الهاتف مرتبط بخدمات المراسلة والخدمات المصرفية والمصادقة متعددة العوامل والتسوق الإلكتروني وأطراف لا تُحصى أخرى من حياتنا الرقمية. وتقليص الحاجة إلى مشاركته خطوة في الاتجاه الصحيح بالتأكيد.
غير أن الميزة ذاتها تكشف عن شيء أعمق يُعيد تشكيل الإنترنت: هوياتنا الرقمية باتت مُنظَّمة بصورة متزايدة حول معرّفات نختارها بأنفسنا، لا حول محددات صُنّفت لنا، وهو ما قد يكون خبراً جيداً للراحة في التواصل، لكنه يُعقّد مشهد الأمن السيبراني بلا شك.