نص جديد

الذكاء الاصطناعي وأثره على الأمن الوطني في الكويت ودول الخليج (2 من 2)

2 يوليو 2026 10:00 م

في الحلقة الأولى من المقال تم تسليط الضوء على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تطبيق ذكي يساعد الموظف على كتابة تقرير، أو يختصر وقت الباحث، أو يحسن خدمة العملاء، بل أصبح اليوم جزءاً من معادلة الأمن الوطني، وعنصراً من عناصر القوة الشاملة للدولة، تماماً كما كان النفط والسلاح والاتصالات والفضاء في مراحل سابقة.

ونستكمل في الآتي الجزء الثاني:

أين الخطر على الكويت والخليج؟

الخطر لا يكمن في استخدام نموذج أجنبي لكتابة تقرير أو تلخيص وثيقة. الخطر يبدأ عندما تدخل النماذج الأجنبية في قلب القطاعات الحساسة.

في القطاع النفطي، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحسن الاستكشاف، والصيانة التنبؤية، وإدارة الحقول، وكفاءة الإنتاج. لكن أي اعتماد مفرط على منصات أجنبية في تحليل بيانات الحقول أو المنشآت أو سلاسل الإمداد قد يحول البيانات النفطية من أصل وطني إلى مادة تشغيلية بيد مزود خارجي.

وفي القطاع المالي، تستخدم البنوك الذكاء الاصطناعي في كشف الاحتيال، وتحليل المخاطر، ومراقبة غسل الأموال، وتقييم العملاء. لكن البنوك في الوقت نفسه هدف رئيسي للهجمات السيبرانية. وإذا أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي قادرة على اكتشاف الثغرات وكتابة الشيفرات الخبيثة وتحسين هجمات التصيد، فإن المصارف تحتاج إلى دفاع ذكي محلي لا يقل تطوراً عن الهجوم.

وفي القطاع الحكومي، تتجه الدول إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات الرقمية، وتحليل شكاوى المواطنين، وإدارة الوثائق، ومراقبة الأداء. ولكن بيانات السكان، والهويات المدنية، والملفات الصحية، والقرارات الإدارية، وسجلات الدعم، لا يجوز أن تُدار بمنطق تجاري بحت. هذه بيانات سيادية.

وفي القطاع الصحي، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في التشخيص المبكر، وتحليل الأشعة، وإدارة المستشفيات. لكنه في الوقت نفسه يفتح ملفاً حساساً: أين تُخزن البيانات الصحية؟ ومن يدرب النماذج عليها؟ وهل يمكن استخدامها مستقبلاً في أغراض تجارية أو بحثية خارج القرار الوطني؟

وفي الإعلام والأمن المجتمعي، يصبح الخطر أكثر تعقيداً. فالنماذج التوليدية قادرة على إنتاج فيديوهات مزيفة، وأصوات مقلدة، وحملات تأثير، ومحتوى موجه. وفي بيئة خليجية حساسة، قد تتحول حرب المعلومات إلى أداة لضرب الثقة بين المواطن والدولة، أو بين مكونات المجتمع، أو بين دول الخليج نفسها.

الكويت بين فرصة الاستثمار ومخاطر التبعية:

الكويت تمتلك عناصر قوة مهمة: فوائض مالية، قطاعاً نفطياً ضخماً، بنية مصرفية منظمة، مجتمعاً متعلماً، وطلباً متزايداً على الخدمات الرقمية. كما أن موقعها داخل مجلس التعاون يمنحها فرصة الدخول في شراكات خليجية لا تستطيع دولة منفردة أن تتحمل كلفتها وحدها.

لكن التحدي أن الذكاء الاصطناعي يتطلب استثمارات ضخمة في الحوسبة والطاقة والبيانات والكوادر. فإذا كان مركز بيانات سعودي واحد يستهدف 500 ميغاواط، وإذا كان مشروع إماراتي واحد يبدأ بـ200 ميغاواط ضمن مسار يصل إلى 5 غيغاواط، فإن الكويت لا تستطيع أن تكتفي بمبادرات صغيرة متفرقة داخل الوزارات. المطلوب رؤية وطنية تعتبر الذكاء الاصطناعي جزءاً من أمن الدولة واقتصادها، لا مجرد ملف تقني داخل جهة حكومية واحدة.

توصيات قصيرة ومركزة:

أولاً: إصدار إستراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي والأمن الوطني، تربط التقنية بالنفط، والمال، والدفاع، والصحة، والتعليم، والإعلام.

ثانيًا: إنشاء سحابة سيادية كويتية للبيانات الحكومية والقطاعات الحساسة، مع تصنيف وطني للبيانات بحسب درجة الخطورة.

ثالثاً: بناء مركز وطني لأمن الذكاء الاصطناعي، يتولى اختبار النماذج، ومراقبة مخاطرها، ووضع معايير استخدامها في الجهات الحكومية.

رابعاً: إطلاق نموذج لغوي عربي/كويتي أو خليجي مشترك، يعمل محلياً للجهات السيادية، ولا يعتمد كلياً على المنصات الأجنبية.

خامساً: منع إدخال البيانات الحكومية الحساسة في النماذج العامة إلا وفق ضوابط مكتوبة ومراجعة أمنية.

سادساً: تدريب قيادات الدولة، لا الفنيين فقط، على فهم مخاطر الذكاء الاصطناعي في القرار والسيادة والأمن.

سابعاً: تأسيس صندوق وطني للاستثمار في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والأمن السيبراني.

ثامناً: بناء شراكة خليجية للحوسبة السيادية، لأن كلفة البنية التحتية المتقدمة أكبر من أن تتحملها كل دولة منفردة بكفاءة.

تاسعاً: إدخال أمن الذكاء الاصطناعي ضمن خطط الطوارئ الوطنية، كما تدخل الكهرباء والمياه والنفط والاتصالات.

عاشراً: إنشاء لجنة دائمة في مجلس الوزراء لمتابعة أثر الذكاء الاصطناعي على الأمن الوطني والاقتصاد وسوق العمل.

الخاتمة:

إنّ خبر تقييد نموذج Anthropic Mythos 5 ثم إتاحته لمؤسسات أميركية مختارة يكشف بداية مرحلة جديدة: مرحلة يصبح فيها الوصول إلى الذكاء الاصطناعي المتقدم امتيازاً إستراتيجياً، لا خدمة مفتوحة للجميع.

ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن تطرحه الكويت ودول الخليج اليوم ليس: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف نمنع تحوله إلى نقطة تبعية إستراتيجية؟

فالدولة التي لا تملك بياناتها، ولا تتحكم في نماذجها، ولا تبني سحابتها السيادية، ولا تؤهل خبراءها، ستجد نفسها في لحظة حرجة أمام قرار خارجي قد يحد من وصولها إلى التقنية التي اعتمدت عليها.

أما الدولة التي تبدأ اليوم في بناء سيادتها الرقمية، فإنها لا تستثمر في التكنولوجيا فقط، بل تحمي أمنها الوطني، واقتصادها، وقرارها السيادي في القرن الحادي والعشرين.