الذكاء الاصطناعي وأثره على الأمن الوطني في الكويت ودول الخليج (1 من 2)

1 يوليو 2026 10:30 م

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطبيق ذكي يساعد الموظف على كتابة تقرير، أو يختصر وقت الباحث، أو يحسن خدمة العملاء.

لقد أصبح اليوم جزءاً من معادلة الأمن الوطني، وعنصراً من عناصر القوة الشاملة للدولة، تماماً كما كان النفط والسلاح والاتصالات والفضاء في مراحل سابقة.

ولهذا لم يكن خبر تشديد واشنطن رقابتها على النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي، ثم إعادة إتاحة نموذج Anthropic Mythos 5 لأكثر من 100 مؤسسة أميركية «موثوقة»، خبراً تقنياً عابراً. بل كان إعلاناً غير مباشر بأن النماذج المتقدمة دخلت منطقة «التصدير المقيد»، وأن الوصول إلى العقول الرقمية الكبرى قد يصبح مشروطاً بالثقة السياسية والأمنية، لا بالقدرة على الدفع فقط.

وهنا يبدأ السؤال الكويتي والخليجي: ماذا يحدث إذا أصبح الوصول إلى أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي خاضعاً للقرار السياسي الأميركي أو الأوروبي أو الصيني؟ وماذا يحدث إذا كانت قطاعات النفط والبنوك والصحة والتعليم والحكومة الرقمية تعتمد على نماذج لا تملك الدولة مفاتيحها ولا بياناتها ولا شروط استمرارها؟

العالم يضع المال حيث يرى القوة:

الأرقام تكشف حجم التحول. فقد بلغ الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة عام 2024 نحو 109.1 مليار دولار، وهو ما يعادل قرابة 12 ضعف الاستثمار الصيني البالغ 9.3 مليار دولار، و24 ضعف الاستثمار البريطاني البالغ 4.5 مليار دولار. كما وصلت الاستثمارات الخاصة في الذكاء الاصطناعي التوليدي عالمياً إلى 33.9 مليار دولار عام 2024، بزيادة 18.7 % عن 2023، وبأكثر من 8.5 أضعاف مستوى 2022.

هذه الأرقام لا تعني نمو سوق تجاري فقط، بل تعني أن الذكاء الاصطناعي أصبح ميداناً لتراكم القوة. فالشركات والدول لا تستثمر في روبوتات محادثة، بل في مراكز بيانات ورقائق ونماذج وسحب سيادية وطبقات أمنية وقدرات تحليلية يمكن أن تعيد تشكيل الاقتصاد والدفاع والإعلام والاستخبارات.

وتؤكد المؤشرات العالمية هذا الاتجاه؛ إذ ارتفعت نسبة المؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي عالمياً إلى 78 % عام 2024، بعد أن كانت 55 % فقط في العام السابق.

وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي انتقل من خانة التجربة إلى خانة البنية التشغيلية داخل المؤسسات.

الخليج يدخل السباق... لكن الكويت تحتاج إلى تسريع موقعها:

في الخليج، لم تعد المنافسة نظرية. فالإمارات تستهدف بناء واحدة من أكبر البنى التحتية للذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة، من خلال مشروع Stargate UAE الذي يبدأ بقدرة 200 ميغاواط، ضمن مجمع أوسع قد يصل إلى 5 غيغاواط. كما أعلنت «Microsoft» استثماراً إجمالياً بقيمة 15.2 مليار دولار في الإمارات، يتضمن 1.5 مليار دولار استثماراً في G42، وأكثر من 4.6 مليار دولار في مراكز بيانات متقدمة للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.

أما السعودية، فقد أطلقت شركة HUMAIN المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة لبناء كامل سلسلة الذكاء الاصطناعي، من مراكز البيانات والسحابة إلى النماذج اللغوية العربية. كما جرى الإعلان عن شحن أكثر من 18 ألف شريحة Nvidia GB300 المتقدمة إلى السعودية لاستخدامها في مركز بيانات بقدرة 500 ميغاواط، وهي أرقام تعكس أن الرياض وأبوظبي تتعاملان مع الذكاء الاصطناعي كبنية سيادية لا كتطبيق مستورد.

في المقابل، تشير تقديرات سوقية إلى أن سوق مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الكويت بلغ نحو 180 مليون دولار، بينما قُدّر سوق الأمن السيبراني في الكويت بنحو 760 مليون دولار عام 2025، مع توقع وصوله إلى 2.09 مليار دولار بحلول 2034، بمعدل نمو سنوي يقارب 11.87 %. كما قُدّر سوق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الكويت بنحو 20.4 مليار دولار عام 2025، مع توقع وصوله إلى 32.18 مليار دولار في السنوات المقبلة.

هذه الأرقام مهمة لأنها تقول إن الكويت لا تبدأ من الصفر، لكنها في سباق سريع جداً، والفجوة ليست في استخدام التطبيقات، بل في امتلاك البنية السيادية: مراكز البيانات، السحابة الوطنية، النماذج المحلية، حوكمة البيانات، والكفاءات القادرة على تقييم المخاطر.

سياسات الدول المتقدمة:

من الانفتاح إلى الحذر الإستراتيجي

الولايات المتحدة بدأت بالفعل بتوسيع مفهوم الرقابة التكنولوجية. فقيود مكتب الصناعة والأمن الأميركي لم تعد تقتصر على الرقائق المتقدمة، بل امتدت إلى نماذج الذكاء الاصطناعي وأوزان النماذج الأكثر تقدماً، مع استمرار متطلبات الترخيص لبعض الصادرات المتصلة بالحوسبة المتقدمة.

أما الاتحاد الأوروبي فقد أصدر قانون الذكاء الاصطناعي، وهو أول إطار شامل من نوعه عالمياً، ويصنف بعض النماذج العامة ذات القدرة العالية كنماذج ذات «مخاطر نظامية»، خصوصاً عندما يتجاوز حجم التدريب عتبة حوسبية ضخمة تصل إلى 10^25 عملية حسابية عائمة. وهذا يعني أن أوروبا لا تنظر إلى النماذج الكبرى باعتبارها منتجات عادية، بل باعتبارها قدرات قد تؤثر في المجتمع والاقتصاد والأمن.

والصين بدورها تتحرك في الاتجاه المعاكس للاعتماد؛ فهي تبني نماذجها الوطنية وسلاسل إمدادها المحلية وتقنيات الرقائق والحوسبة، لأن بكين تعلم أن من لا يملك الحوسبة لا يملك الاستقلال التقني.

الدلالة المشتركة هنا واضحة: القوى الكبرى لا تترك الذكاء الاصطناعي للسوق وحده. إنها تؤطره بالقانون، وتحميه بالسياسة، وتوجهه بمنطق الأمن الوطني.