الاتفاق الإطاري مع لبنان... إسرائيل دخلت جولة جديدة من المواجهة مفتوحة الأمد

30 يونيو 2026 11:30 م

- المسؤولون الإسرائيليون يقرّون بأنهم عالقون في مستنقع جديد
- انتظار إسرائيلي لـ«نافذة فرصة» أميركية لتغيير قواعد اللعبة
- لبنان سيظلّ يسير نحو المجهول بين سلاح «حزب الله» واحتلال إسرائيلي وضغوط إيرانية... ووعود دولية يصعب تحقيقها

في السادس والعشرين من يونيو، وقّعت إسرائيل ولبنان في واشنطن، اتفاقاً إطارياً برعاية أميركية، يهدف وفق نصوصه إلى إنهاء حالة الحرب بين الطرفين وتمهيد الطريق لسلام دائم، ممّا يطرح تساؤلات جوهرية حول مصير هذا المسار السياسي في ظل واقع ميداني معقّد وانقسامات داخلية حادة.

وينصّ الاتفاق الإطاري، الذي يُعتبر تتويجاً لخمس جولات من المفاوضات المكثفة في واشنطن، على أربعة مرتكزات أساسية:

- إنهاء حالة الحرب: إعلان نيّة الطرفين الانتقال تدريجياً نحو علاقات جوار طبيعية وسلام دائم.

- احتكار الدولة اللبنانية للسلاح: نزع سلاح جميع التنظيمات غير التابعة للدولة، مع تكليف الجيش اللبناني بالانتشار على كامل الأراضي.

- انسحاب إسرائيلي تدريجي مشروط: ربط الانسحاب من الأراضي اللبنانية بالتحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية، مع بقاء إسرائيلي في «منطقة أمنية ممتدة» إلى حين اكتمال نزع سلاح «حزب الله».

- إعادة الإعمار والدعم الدولي: ربط مسار إعادة الإعمار بالتقدّم في الالتزامات الأمنية، تحت رعاية أميركية ودولية.

وقد صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بأن الاتفاق يُشكّل «إنجازاً كبيراً» و«ضربة لإيران وحزب الله»، فيما أكّد الرئيس اللبناني جوزاف عون، أنّه «خطوة أولى على طريق استعادة السيادة الكاملة».

الموقف الإيراني

لم تتوانَ طهران عن إبداء موقفها الحازم من الاتفاق، إذ اعتبرته تجاوزاً لمذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية التي تمّ التوصّل إليها سابقاً. وقد شدّد الناطق باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، على أن إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي في لبنان يُشكّل «شرطاً أساسياً» لنجاح أي اتفاق، داعياً واشنطن إلى «اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة» لضمان الانسحاب الإسرائيلي غير المشروط.

وكانت إيران قد اشترطت خلال مفاوضاتها مع الولايات المتحدة ربط أي تقدّم في ملفها النووي بوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، وهو ما يعكس رؤية طهران للملف اللبناني كجزء لا يتجزأ من معادلاتها الإقليمية، وليس كملف منفصل يمكن تسويته من دون مشاركتها.

ويبدو أن اتفاق واشنطن قد فصّل الملف اللبناني عن المسار الإيراني - الأميركي، وهو ما أثار استياء طهران ودفعها إلى التمسّك بموقفها الرافض.

الموقف الحزبي والشعبي

لم يكن موقف حزب الله أقلّ وضوحاً، إذ وصف الأمين العام للجماعة نعيم قاسم، الاتفاق بأنّه «مذلّة وعار وتنازل عن السيادة»، معتبراً أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة «يتجاوز كل الخطوط الحمراء».

وأكّد النائب حسن فضل الله، أنّ «من يصافح العدو فهو مجرم مثله»، داعياً الحكومة اللبنانية إلى التراجع عن المفاوضات.

أمّا على المستوى الشعبي، فقد انعكس الغضب في الشارع اللبناني، حيث اعتبر العديد من اللبنانيين، من مختلف الطوائف، أن الاتفاق يُكرّس الاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم ويُشرعن وجوداً عسكرياً طويل الأمد في الجنوب، بدلاً من أن ينهيه.

ويرى مراقبون أن هذا الغضب الشعبي، الذي يتقاطع مع رفض حزب الله وإيران، يُشكّل عقبة كأداء أمام أي محاولة لتطبيق الاتفاق على الأرض.

القراءة الإسرائيلية

على الجانب الإسرائيلي، تكشف التقارير العسكرية والتحليلات الإستراتيجية عن صورة أكثر تعقيداً من الخطاب السياسي المنتصر. ففي مقال تحليلي بصحيفة «معاريف»، يطرح الكاتب آفي أشكنازي، سؤالاً جوهرياً: «أفليس من الأصوب والأذكى بناء منظومة سياسية بدلاً من الاكتفاء بالقوة العسكرية»؟ معترفاً بأن إسرائيل ضيّعت ائتماناً سياسياً كان في يدها.

1 - رؤية كاتس: بقاء مفتوح الأمد

يؤكد وزير الدفاع يسرائيل كاتس، في تصريحات نقلتها مصادر إسرائيلية، أن تل أبيب «لن تنسحب حتى ولا مللمتر واحد» من جنوب لبنان إلى أن يتمّ نزع سلاح حزب الله. وكشف أن الجيش يستعدّ لبقاء طويل في المنطقة، مع خطط لاستحكامات وتعليمات ميدانية، مشيراً إلى أن نحو 2500 مقاتل يعملون حالياً في المنطقة الواقعة بين الحدود ونهر الليطاني.

2 - التناقضات الداخلية: ما بين نتنياهو وترامب

يكشف التحليل عن توتر في العلاقة بين القيادة الإسرائيلية والإدارة الأميركية، حيث اعترف كاتس، بأن إسرائيل كانت مستعدة لتوسيع الحرب، لكنّ طلب الرئيس دونالد ترامب «عدم الربط بين الساحة اللبنانية والإيرانية» غيّر الخطط العملياتية ودفع تل أبيب إلى «تعميق الخط الأصفر» بدلاً من تنفيذ الخطة الأساسية.

ويُشير الموقف الإسرائيلي إلى خوف من تكرار سيناريو الانسحاب من الحزام الأمني في الثمانينيات، حيث سقط نحو ألف جندي إسرائيلي في مستنقع لبنان.

3 - التحذير من الاستنزاف

ينقل المحلل أشكنازي، عن ضابط رفيع المستوى في الجيش الإسرائيلي قوله إن الأهداف الحقيقية للحرب في لبنان لا تتجاوز «خطوة مرحلية»، وإن نزع سلاح حزب الله بالكامل يتطلّب احتلال كل لبنان، وهو أمر لا تمتلك إسرائيل القدرة البشرية أو السياسية لتحقيقه. ويخلص التحليل إلى أن إسرائيل باتت عالقة في لبنان، مع «نصف عمل» لا يضمن الأمن ولا يحقّق النصر، في ظلّ تآكل القوى البشرية وغياب إستراتيجية خروج واضحة.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

في مقال تحليلي بصحيفة «إسرائيل اليوم»، يرسم العميد الاحتياط تسفيكا حايموفيتش، أربعة سيناريوهات رئيسية للمرحلة المقبلة:

- السيناريو المتفائل: يتحوّل الاتفاق الإطاري إلى اتفاق دائم، وينجح الجيش اللبناني في نزع سلاح حزب الله، ممّا يمهّد لانسحاب إسرائيلي كامل إلى الحدود الدولية.

- السيناريو المتشائم: يستمرّ الاحتكاك الميداني ويؤدّي إلى شلل عملياتي، مع تباطؤ في تنفيذ الالتزامات اللبنانية.

- السيناريو المعقول: تقدّم في التعاون الأمني المنسّق ضد «حزب الله»، مع بقاء إسرائيلي في المنطقة الفاصلة ريثما يتحقق واقع جديد.

- السيناريو الخطير: يدهور «حزب الله» الأوضاع برعاية إيرانية نحو مواجهة عنيفة قد تصل إلى حرب أهلية، تهدّد أمن إسرائيل بشكل مباشر.

ويميل المحللون إلى استبعاد السيناريو المتفائل، ويرجّحون سيناريو «الاستنزاف الطويل» الذي يُبقي إسرائيل عالقة في جنوب لبنان، وسط استمرار التحديات الأمنية وغياب الحل السياسي الشامل.

وهم الاتفاق واستمرار الحرب

يُجمع المحللون الإسرائيليون، حتى في أروقة المؤسسة العسكرية، على أن الاتفاق الإطاري لا يعدو أن يكون غطاءً سياسياً لاستمرار الاحتلال، وليس خطوة حقيقية نحو السلام. ففي الوقت الذي ترفض فيه إيران وحزب الله الاتفاق، وتعتبره انتهاكاً لسيادة لبنان، يُقرّ المسؤولون الإسرائيليون بأنهم عالقون في مستنقع جديد.

وتبدو المفارقة واضحة: بينما يحتفل نتنياهو وكبار مسؤوليه في واشنطن بما وصفوه «إنجازاً استراتيجياً»، يعترف قادة الجيش في الميدان بأن إسرائيل دخلت في جولة جديدة من المواجهة المفتوحة الأمد، مع تكرار سيناريوهات الماضي الأليمة.

وفي الخلفية، تلوح الحرب مع إيران كخيار مطروح على الطاولة، مع انتظار إسرائيلي لـ«نافذة فرصة» أميركية لتغيير قواعد اللعبة.

أما لبنان، فسيظلّ يسير نحو المجهول، بين سلاح «حزب الله»، ووجود إسرائيلي، وضغوط إيرانية، ووعود دولية يصعب تحقيقها.