حروف نيرة

أروع داعية... بل تحيا الطعمية!

30 يونيو 2026 11:30 م

في حياة بعض الدعاة مواقف تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل من الدروس والعِبر ما قد لا تؤديه الخطب الطويلة ولا المواعظ الكثيرة.

ومن تلك المواقف البديعة حادثة للشيخ عبدالحميد كشك -رحمه الله-، حين كان يلقي درساً على الناس، فقاطعه أحد الحاضرين بسؤال مفاجئ، وخارج موضوع الدرس: «أريد آية فيها أمران ونهيان وخبران وبشارتان».

كان السؤال بشكل فيه تحدٍّ، ورغم ذلك لم يغضب الشيخ ولم يطرده، بل قال له بلطف: «انتظر آخر الدرس وسأجيبك».

لكن الرجل أصرّ على سؤاله، فتذكر الشيخ موقفاً أيام دراسته، حين اشترى زميله طعمية ملفوفة بورقة مكتوب عليها لغز يشير إلى الآية؛ فأجاب السائل مباشرة: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. ثم ذكر الأمرين: «أرضعيه – فألقيه»، النهيين: «لا تخافي – لا تحزني»، الخبرين: «وأوحينا – فإذا خفتِ»، والبشارتين:«إنا رادّوه إليك – وجاعلوه من المُرسلين».

وعندها ارتفعت أصوات الحاضرين بالثناء قائلين: «يحيا الشيخ!»، ابتسم الشيخ وقال: «بل تحيا الطعمية»!

وهنا تظهر طرافته وتواضعه، إذ حول المديح عن نفسه بطريقة ذكية ومرحة، فالتقدير انتقل إلى موقف بسيط، لا إلى شخصه. ثم ختم الموقف بحكمة خاشعة: «من ستره الله، العبد لا يفضحه. اذكروا الله دائماً وقولوا: يا رب... فمن قالها لن يخيب صبره ولا يضل سعيه».

الآية الكريمة تحمل فوائد عظيمة؛ الله تعالى ألهم أم موسى، عليه السلام توجيهات دقيقة في لحظة الخطر، إذ كان الخطر الحقيقي يتمثل في فرعون وجنوده الذين كانوا يفتشون عن كل مولود من بني إسرائيل ليقتلوا الصغار. فالرضاعة ثم الإلقاء في اليم كان وسيلة حماية بإذن الله، تظهر كيف أن الطمأنينة والتوكل على الله تخلق اليقين حتى في أشد الظروف الصعبة.

وإذا نظرنا إلى كلمات الآية نفسها، نجد أن كل كلمة مرتبطة بخطر فرعون والخوف الطبيعي الذي تشعر به أم موسى: الأمران «أرضعيه – فألقيه» يوجهانها أولاً للعناية بالرضاعة، ثم لو خافت على حياة ابنها، للإلقاء في النهر تحت حماية الله. النهيان «لا تخافي – لا تحزني» يطمئنان قلبها ضد الخوف والحزن الناتج عن تهديد فرعون. الخبران «وأوحينا – فإذا خفتِ» للتذكير بأن الله يوجهها ويطمئن قلبها في هذا الموقف الحرج. والبشارتان «إنا رادّوه إليك – وجاعلوه من المرسلين» تعطيانها الأمل الذي يخفف الخوف والحزن، مؤكدة أن الله سيعيد ابنها ويجعله نبياً، رغم خطر فرعون.

الربط بين الموقف والآية يتجلّى في الطمأنينة حين يُسند الأمر إلى الله تعالى، كما ألهم الله أم موسى، عليه السلام، ألهم الشيخ الجواب السريع بطريقة هادئة وبديهة مضيئة. كما يظهر الجمع بين العلم والرحمة، فالآية جمعت الأمر والنهي والبشارة والخبر، والشيخ جمع بين الحكمة في الرد، والعلم في التفسير، والرحمة في المعاملة.

التواضع ظهر جلياً حين حول الثناء إلى طرافة، فالتقدير انتقل من موقف طريف، موقف يعلّمنا أن الدعوة ليست علماً فقط، بل خُلقاً وأدباً، وأن المشكلات المفاجئة فرصة لتعليم الناس لا لتعنيفهم، وأن أي قلب يسلّم أمره لله تعالى كما فعلت أم موسى، يسوق الله إليه من البشارات ما لا يخطر على بال، ومن لازم ذكر الله سخّر الله له حكمةً وبصيرة.

ما بين موقف الشيخ عبدالحميد كشك، رحمه الله تعالى، وتوجيهات -سورة القصص- رابط يجمعهما: أن النور الإلهي إذا نزل على القلب أخرجه من الحرج إلى السكينة، ومن الاضطراب إلى الحكمة، ومن الضيق إلى الإلهام.

وهكذا تبقى القصص القرآنية والمواقف الدعوية مرآتين تعكسان حقيقة واحدة: أن من اتصل بالله لا يُخذل، ومن ذكر ربَّه لا يخيب، ومن تواضع لله رفعه.

aaalsenan @