نتنياهو بين كذبه السياسي وصفقاته الفاسدة وتحالفه المنهار

29 يونيو 2026 10:00 م

- من «كذّاب ابن كذّاب» إلى «مقامر محبط»... كيف يحترق نتنياهو بنيران حلفائه وشركائه؟
- الإرث الملوث... فساد نتنياهو يلاحقه حتى في لحظة انهياره
- الشرخ مع ترامب... من حليف قوي إلى ناقد عنيف
- الكذبة الأكبر... غياب الإنجازات وفشل «النصر الحاسم»
- المعركة الانتخابية: الماضي الفاسد أم المستقبل المجهول؟

في مشهد سياسي إسرائيلي يعج بالتناقضات، يجد بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الأكثر جدلاً في تاريخ الدولة العبرية، نفسه اليوم في مواجهة عاصفة لا مثيل لها. لم تعد المعركة مقتصرة على خصومه في المعارضة، بل امتدت لتشمل أقرب حلفائه، وتكشفت ملفات فساده المالي والسياسي بشكل لم يسبق له مثيل، بينما ينهار تحالفه الهش تحت وطأة اتهامات بالكذب، والخيانة، والانهزامية.

ففي الوقت الذي كان فيه نتنياهو، يروج لنفسه كـ «السيد الأمن» و«الملك بيبي»، ها هو اليوم يواجه اتهامات بأنه مجرد «كذاب ابن كذاب»، على حد وصف أقرب حلفائه، وزير المالية بتسلئيل سموتريتش.

هذا الوصف، الذي أصبح دارجاً في الإعلام الإسرائيلي، لم يعد مجرد شتيمة سياسية، بل تحول إلى حقيقة معترف بها في الصحافة الإسرائيلية، حيث كتبت هيئة تحرير صحيفة «هآرتس» في افتتاحيتها أن «أكاذيب رئيس الوزراء تسير أمامه» وأن «من الصعب التفكير بأي أحد يجادل في حقيقة أنه كذاب، من دون صلة عن الانتماء السياسي».

لكن الأزمة أعمق من مجرد اتهامات بالكذب. فخلف الأكاذيب، تتراكم ملفات فساد مالي وسياسي تطول أقرب المقربين إليه، وتكشف عن شبكة من المصالح المشبوهة التي تهدد بإسقاطه نهائياً، في وقت يخوض فيه معركة وجودية للحفاظ على كرسيه، بينما يتهاوى حزبه «الليكود» من داخله، وتتلاشى ثقة الناخبين به.

الإرث الملوث

في خضم الأزمة السياسية، تعود ملفات الفساد المالي التي تطارد نتنياهو، إلى الواجهة بقوة. فبينما يحاول الترويج لنفسه كزعيم لا غنى عنه، تبرز تساؤلات حول علاقاته المشبوهة مع رجال الأعمال، وقضايا الرشوة التي لم تغلق بعد في أذهان الجمهور الإسرائيلي.

قضية «الهدايا» وصفقات النفوذ

لاتزال قضية قبول نتنياهو، هدايا فاخرة من رجال أعمال أثرياء، وتقديم تسهيلات إعلامية مقابل تغطية إيجابية، حاضرة في الذاكرة الجماعية. هذه القضايا لم تمحها الأحداث، بل باتت تكتسب أبعاداً جديدة في ظل الأزمة الحالية، حيث يرى كثيرون أن فشله السياسي ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لنمط من الحكم يقوم على المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة.

شبهات تضارب المصالح في إدارة الحرب

مع اندلاع الحرب الأخيرة، برزت اتهامات ضمنية بأن نتنياهو، كان يدير الملف الأمني بما يخدم بقاءه السياسي، وليس بما يخدم أمن إسرائيل. تقارير إعلامية تحدثت عن عرقلة صفقات تبادل أسرى، وعن تفضيله إطالة أمد الحرب للحفاظ على تحالفه الهش، ما أثار موجة غضب لدى عائلات المحتجزين والجنود.

«الكذبة الأخيرة» تكشف النمط الفاسد

في افتتاحية «هآرتس»، تم تفنيد إحدى أكاذيب نتنياهو، الأخيرة، حيث اتهم باللجوء إلى «الديماغوجيا الشعبوية» لتبرير سياساته في تجنيد الحريديم.

الكاتب يشير إلى أن هذه الكذبة ليست مجرد زلة لسان، بل هي «بالضبط ما ينبغي للدولة أن تفعله» في إشارة إلى أن النمط الفاسد أصبح جزءاً من منظومة الحكم بأكملها.

انهيار التحالفات

الهجوم الأكثر إيلاماً لنتنياهو، جاء من أحد أقرب حلفائه، سموتريتش، زعيم «الصهيونية الدينية»، الذي وصفه علناً بأنه «كذاب ابن كذاب».

هذا الوصف لم يكن مجرد نوبة غضب عابرة، بل أصبح، وفقاً لـ «هآرتس»، «تعبيراً دارجاً في سياق الحديث عن نتنياهو».

أزمة الحريديم والكذبة الكبرى

اتهم سموتريتش، وحلفاؤه، نتنياهو، بالكذب بشأن قانون تجنيد الحريديم، حيث يرى المتشددون دينياً أن نتنياهو، يبيع مصالحهم مقابل بقائه في الحكم، بينما يخونهم في اللحظة الحاسمة. هذه الأزمة كشفت عن شرخ عميق في الائتلاف الحكومي، حيث أصبح الحريديم يدركون أن نتنياهو، مستعد للتضحية بأي شريك من أجل البقاء.

تمرد الليكود... «عهد جديد» في الحزب!

لم يعد التمرد مقتصراً على الأحزاب الشريكة، بل امتد إلى داخل حزب الليكود نفسه. الكاتب إفرايم غانور، في «معاريف» يكشف عن أزمة داخلية عميقة، حيث أصبحت المعارضة لنتنياهو، بأسماء بارزة مثل حاييم كاتس ودافيد بيتان «عهداً جديداً» في الحزب. نتنياهو، الذي اعتاد السيطرة المطلقة، أصبح اليوم مهدداً من داخل بيته السياسي.

تهديد الانسحاب وتفكك الحزب

في مشهد يكشف عن حالة الذعر التي يعيشها نتنياهو، هدد رئيس الوزراء، رفاقه في الحزب بالانسحاب وتأسيس حزب جديد إذا لم يمنحوه 11 مقعداً مؤكداً في القائمة الانتخابية. هذا التهديد، وفقاً لغانور، هو دليل على «تحطم الليكود» وعلى أن نتنياهو، أصبح «كمقامر محبط يوزع أحجار القمار بانعدام تام للمنطق».

الشرخ مع ترامب

العلاقة مع الولايات المتحدة، التي كانت دائماً ورقة رابحة في يد نتنياهو، تحولت إلى نقطة ضعف مدمرة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي كان يعتبر أقوى حليف لنتنياهو، أصبح اليوم ناقداً لاذعاً، متهماً إياه بـ «الجنون» و«عدم العقلانية».

دعم مشروط بـ «العقلانية»

في مقابلة تلفزيونية، أعرب ترامب، عن استعداده لدعم نتنياهو، في الانتخابات المقبلة، لكن بشرط أن «يكون أكثر عقلانية». هذا الشرط يعكس فقدان الثقة الكامل بقدرة نتنياهو، على إدارة العلاقة مع واشنطن، ويفتح الباب أمام دعم مرشحين آخرين مثل نفتالي بينيت أو غادي آيزنكوت.

اتهامات بالفشل في مواجهة «حزب الله»

وفقاً لتقارير إعلامية، يعتقد ترامب، أن إسرائيل «لم تنجح في التعامل بشكل جيد مع حزب الله» وأنها «يمكنها أن تفعل ذلك بشكل أفضل». هذا النقد العلني من الرئيس الأميركي يوجه ضربة قوية لمصداقية نتنياهو، كقائد عسكري، ويُظهر أن واشنطن لم تعد تراه الرجل القادر على حماية مصالحها في المنطقة.

الانهيار في عيون الإدارة الأميركية

الحديث عن «مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة» كما يروج لها نتنياهو، يرفضها المحللون الإسرائيليون، معتبرين أن هذه «اتهامات صبيانية» لا يمكن أن تكون جواباً للتحديات الحقيقية التي تواجهها إسرائيل.

الكذبة الأكبر

ربما يكون الاتهام الأكثر إدانة لنتنياهو، في نظر الجمهور الإسرائيلي هو فشله الذريع في تحقيق أي إنجاز ملموس في الحرب. فبعد أشهر من القتال، لم يحقق «النصر الحاسم» الذي وعد به، واستمرار القتال في غزة ولبنان يطرح علامات استفهام كبيرة حول قدرته على قيادة البلاد.

استنزاف الجيش واستمرار القتال

المحلل العسكري عوفر شيلح، يحذر من أن سياسات نتنياهو، تقود إلى استنزاف الجيش في مستنقع جنوب لبنان، معتبراً أن «فكرة المنطقة الأمنية هي وصفة لكارثة». هذا الفشل العسكري يترجم إلى فشل سياسي، حيث يرى الناخبون أن نتنياهو، يقود البلاد نحو الهاوية.

المعركة الانتخابية: الماضي الفاسد أم المستقبل المجهول؟

في مقال لصحيفة «إسرائيل اليوم»، يحذر البروفيسور آفي برئيلي، من أن المعركة الانتخابية القادمة لن تكون على الماضي، بل على المستقبل. الناخبون، الذين سئموا الأكاذيب والفساد، يبحثون عن قائد يمكنه إدارة «الحرب التالية» بشكل أفضل.

وهذا يشكل تحدياً كبيراً لنتنياهو، الذي يعيش في الماضي ويحاول التمسك بسلطته بأي ثمن.

ماذا بقي من «الملك بيبي»؟

في المحصلة، يبدو نتنياهو، اليوم في أضعف لحظاته السياسية، محاصراً من كل الجهات: حلفاؤه يتهمونه بالكذب والخيانة، خصومه يستعدون لانتزاع الحكم منه، حزبه يتفكك من الداخل، وحليفه الأقوى في واشنطن يصفه بـ «غير العاقل».

الأكاذيب التي أطلقها طوال سنوات، والفساد الذي تراكم حوله، باتا اليوم يطاردانه في كل خطوة.

الانتخابات القادمة ليست مجرد استحقاق سياسي، بل هي استفتاء على عقدين من حكم نتنياهو. الإسرائيليون، الذين خرجوا إلى الشوارع للاحتجاج على سياساته وإهماله للملفات الحيوية، يبحثون عن بديل، عن قائد يمتلك مصداقية، ورؤية، ونزاهة. أما نتنياهو، فهو يغرق أكثر في أوهامه، متمسكاً بكرسيه المتزعزع، بينما يشتعل حريق الفساد والكذب من حوله.

يبقى السؤال الأهم: هل سيكون هناك خلاص لإسرائيل من كوابيس نتنياهو، أم أن الرجل سيستمر في جر البلاد إلى مزيد من الهاوية، مستغلاً الانقسامات الداخلية والتحديات الخارجية لتمرير أجندته الفاسدة؟

الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.