بعد أن تم تطبيق نظام البصمة على السادة أعضاء هيئة التدريس في جامعة الكويت، وكذلك على إدارة الخبراء في وزارة العدل.
سررتُ بهذا الخبر، ليس لأن البصمة تصنع الإنجاز، بل لأنها تؤسس لمبدأ العدالة.
البصمة لا تثبت أنك أنجزت، وإنما تثبت أنك كنت موجوداً. قد يراها البعض إجراءً بسيطاً، لكنها في الحقيقة رسالة واضحة مفادها أن الوظيفة العامة ليست امتيازاً، بل هي التزام.
فمن يتقاضى راتباً من المال العام، خصوصاً إذا كان بالآلاف، فمن حق الدولة والمواطن أن يعرفا أنه يؤدي الحد الأدنى من واجباته، وهو الحضور والانضباط.
نحن لا نقول إن البصمة معيار للإنتاجية، فالإنتاج يقاس بالنتائج، لكن كيف نطالب بالإنجاز ممن لا يلتزم أصلاً بالحضور؟
الانضباط هو أول درجات الإصلاح الإداري، ومن دونه يصبح الحديث عن الجودة والتميز مجرد شعارات.
ولذلك، فإنني أتمنى من سمو رئيس مجلس الوزراء أن ينظر في تعميم هذا المبدأ على جميع القيادات التنفيذية، وفي مقدمهم السادة الوكلاء. فالوكيل هو أعلى سلطة إدارية في الوزارة بعد الوزير، والوزير منصبه سياسي، أما الوكيل فهو قائد الجهاز الإداري والمشرف على آلاف الموظفين، ومن الطبيعي أن يكون أول الملتزمين.
القائد الحقيقي لا يقود بالأوامر، بل بالقدوة. وإذا انضبط رأس الهرم الاداري في أي مؤسسة، انضبطت بقية المستويات الإدارية تلقائياً.
وهنا أتذكر بكل تقدير معالي الدكتور الشيخ أحمد الناصر المحمد الأحمد الصباح، عندما كان وزيراً للخارجية. فعندما قرّر تفعيل نظام البصمة على أعضاء السلكين الدبلوماسي والقنصلي في الخارج، بدأ بالسفراء، وهم رأس الهرم الدبلوماسي. وحين سُئل عن سبب البدء بالسفير قبل غيره، كان جوابه بليغاً: «لأن السفير هو الرأس، والرأس قدوة».
هذه هي فلسفة الإدارة الناجحة؛ أن يبدأ الإصلاح من الأعلى لا من الأسفل، وأن تكون القدوة قبل العقوبة، والالتزام قبل المحاسبة.
لذلك، فإن نجاح تطبيق البصمة لن يقاس بعدد الأجهزة التي تُركب، وإنما بقدرة الدولة على ترسيخ مبدأ بسيط وعادل: لا فرق بين كبير وصغير أمام واجبات الوظيفة العامة. فالعدالة الإدارية لا تكتمل إلا عندما يشعر الجميع أن القانون يبدأ من أعلى الهرم الاداري في كل مؤسسة قبل أن يصل إلى قاعدته.
X:jzabandr