قيم ومبادئ

أين الاحترام؟

25 يونيو 2026 10:00 م

لا أقصد بالاحترام هذا الذي يفعله أكثر الناس اليوم إذا قابلوا مسؤولاً... فتراه يتهيّب ويُوجل وهو داخل الديوانية العامرة أو المكتب أو المختصر للمقابلة وكأنه يقتحم مجاهيل أفريقيا وغاباتها؟ أو تجده ينتفض ويشد زرار الدشداشة كأنه يقابل منخفضاً جوياً سيبيرياً؟ أو يهوي بكلتا يديه ثم يرفعهما كأنه يحثو التراب على رأسه... أو يضعهما على صدره ليعالج الوقوف متضرّعاً على رجليه... أمام المسؤول!

ولكني أقصد هذا العلم الذي قال الله تعالى عنه «ولقد كرّمنا بني آدم» كرّمنا تضعيف كَرّمَ أي جعلنا لهم شرفاً وفضلاً مضاعفاً على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلاً، وهذا التكريم من عرفه فقد عرف (الإنسان) ومن جهله فقد جهل كل شيء. والذي لا يعلمه إلا القليل ولا يعمل به إلا الأقل من ذلك القليل!

فتأمّل حال الناس اليوم مع الاحترام، فهذا التكريم من الله تعالى للإنسان كرم مضاعف من جهة نفي النقصان ويدخل فيها خلقهم على هذه الهيئة في امتداد القامة ويمشي سوياً على صراطٍ مستقيم وحُسن الصورة وفضّله بأن يأكل بيده وسائر الحيوان يأكل بفمه! وسخّر له ما في السماوات والأرض... كما أنه لم يتركه هَملاً بل أنزل له الكتب وأرسل له الرسل... ولكن لم يحترم أكثر الناس شريعة الله فتمرّدوا عليها كما أنهم لم يحترموا آدمية الإنسان وفطرته السَّوية فقاموا بعمليات تغيير الجنس فتحوّل الرجال إلى نساء والعكس!

ولنوضح الفكرة أكثر... تقول لك آداب السلوك (احترم من ينفعك) وتقول لك آداب الإخلاص (احترم من ينفع الناس في الدنيا والآخرة) والفرق بين المذهبين أن تحترم من لا يسعك احتقاره سواءً في سرك أو علانيتك... أما الناس فتجدهم يحترمون من يخافون شره أكثر من احترامهم من يطلبون بره وإحسانه؟

وربما شَابَ احترامهم لأهل البر بعض النفاق، وأما احترامهم للطغاة فتجده خالصاً لا شائبةَ فيه... بل هو احترام لو أُكرِهوا على تركه ما استطاعوا؟

لقد هالني هذا الواقع الذي نعيشه اليوم حينما رأيت الفضائيات والاتهامات بين النخب الأكاديمية والمحللين الإستراتيجيين... كما نظرت إلى ارتفاع معدلات جرائم الإعلام الإلكتروني مثل السب والقذف واختراق الحسابات والنصب والاحتيال ونشر الأخبار الكاذبة وإساءة استخدام الهاتف، خصوصاً في زمن الانفتاح والترسُّل مع الأفكار الشاذة والغريبة والتي تعمل عملها في أجيال الشباب حتى انتجت لنا جيلاً مغترباً عن هده الأمة منفكاً عن تاريخها وتراثها وقيمها وطبيعتها؟ فأصبح الطعن في الآخرين وتدني لغة الخطاب والسخرية والاستهزاء بمقاطع الفيديو سِمَتُ هذا الجيل! حتى خِفْتُ منه على آداب المبتدئين في سلّم التعليم وقدّر لي أن أطرح فكرة تشكيل (لجنة من العلماء المختصين) تنتهي إلى وضع كتاب ومقرر مدرسي وافٍ صريح في (علم الاحترام) يعصم الناس من الخلط والخبط في أجواء الحريات والخصوصيات، ويحجزهم عما يتخلله من المداهنةِ والتملّق، فاستقر رأيي وارتاح ضميري لهذه الفكرة التربوية المستحقة اليوم.

ولكني بعدما (راحت السكرة جاءت الفكرة) - كما يقال – قلت في نفسي ومَن يا تُرى يشرح للناس مسائل هذا الكتاب؟ وأي مُعلّم يرضى بأن يُعلّم الناس علماً يحتقرونه به لو وزنوه حقّ وزنه؟ خصوصاً بعد اختلاف وجهات النظر وسوء تقدير العواقب... وأثر ذلك على الناس ولا نريد أن نصل لمرحلة ألا يكون شأن الأساتذة في هذا المقرر كشأن الفقيه المنافق في كتب الدين الإسلامي؟ يلقن الناس منها ما يدر عليه الرزق ويُوطئ له الأعناق ويعمي عنه العيون ويتركهم والدين القويم في جهل مقيم؟ وعن اليقين في ضلال مُبين؟

فيئست حين نظرت لهذا الواقع التربوي الأليم في (عالمنا العربي والإسلامي) من أن يكون للناس قسطاس صادق المعيار أمين على الأعمار، ورأيت أن أفضل ما يصنع العلماء أن يشتغلوا بعلومهم التي انقطعوا لها وأن يدعوا كلاً وما يهتدى إليه في علم الاحترام، وعلى كل دولة أن تأخذ ذلك في عين الاعتبار وحينها تذكرت قول الشافعي ولعله مرّ بهذه التجربة في زمانه فذاق منها الأمَرين – كما يقال – حيث قال:

يا أَيُّها الرَجُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ

هَلا لِنَفسِكَ كانَ ذا التَعليم

تَصِفُ الدَّواءَ لِذي السَّقامِ وَذي الضَّنا

كيما يَصحُّ بِهِ وَأَنتَ سَقيمُ

فابدأ بِنَفسِكَ فانهَها عَن غَيِّها

فَإِذا اِنتَهَت عَنهُ فأنتَ حَكيمُ

وإذا حصّلنا على هذا الحكيم نقول له تعال درسنا الاحترام الذي سقط سهواً من لغة التخاطب الإعلامي والتربوي في هذا العصر المدني الحديث! واستأت كثيراً جداً حينما رأيت بعض التربويين والاخصائيين الاجتماعيين لهم مواقع اجتماعية في وسائل التواصل وقد تصدّوا لتعليم الناس التربية وأصول الاحترام ولكن أكثر تركيزهم على الأكشن والإثارة من الحقيقة والجوهر! فكيف سنصلح المجتمع!