عَكَسَتْ الهبّاتُ الساخنة والباردة التي لَفَّتْ اليومَ الثالث والأخير من الجولة الخامسة من المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية المباشرة في العاصمة الأميركية، تَحَوُّلَ مساريْ واشنطن وسويسرا التفاوضييْن نقطتيْ استقطابٍ متضادتيْن في ضوء صعوبة التوفيق بين التسليم بخطٍّ يَرْبطهما بحُكْم الأمر الواقع، وبين الحاجة إلى تكريس فَصْلِهما لضمانِ ألّا يكون ملف «بلاد الأرز» المدخل لأي تعويمٍ لدور إيران في الإقليم الذي يعاد تشكيله وترسيم نفوذه.
وفي وقت كانت المناخات تتضارب بإزاء مخرجات جولة المفاوضات، وسط ضخّ الولايات المتحدة أجواء إيجابية جداً بإزاء إمكان صدور «التزامِ نياتٍ» ضغطت في اتجاه أن يُعلن فجر الخميس في مقابل معطياتٍ عن بلوغ اليوم الثالث من المحادثات «طريقاً مسدوداً» في ما خص مسألة الانسحاب الإسرائيلي، جغرافيته، آلياته، جدوله الزمني، والرقابة عليه والتحقق منه، فإنّ انطباعاً ساد بأنّ مسار سويسرا، في كلّيته المتّصلة بملف إيران كاملاً كما في جزئيته المتعلّقة بلبنان ووقْف النار الإسرائيلي مع حزب الله بات عامل ضغط سلبياً على مسار واشنطن.
ومن خلْف غبار المعلومات التي تَواتَرَتْ بعيد انطلاق اليوم الأخير من جولة الثلاثة أيام التفاوضية، وكَرَّسَتْ حَجْمَ «الأشواكِ» التي تَعترض هذا المسار، لاحتْ مَلامِحُ تَشَدُّد إسرائيلي في موضوع الانسحاب من لبنان خصوصاً بدت أقرب إلى «استعادة النفَس»، من دون أن يُعرف هل الأمر في إطار «تَبادُل السقوف» بحيث يكون «شدّ الحبل» بمثابة غطاءٍ ناري لتمرير «إعلان نياتٍ» مارستْ واشنطن ضغوطاً كبيرة لصدوره مُتَضَمِّناً إشارة إلى المناطق التجريبية التي شكّلت محور «كباش» قاسيا في المفاوضات، أم أنه يؤشر لرغبة أميركية في إعادة ضبْط المقاربة للملفّ الإيراني برمّته - بمعنى «تصحيح المسار» الذي أوحى بتنازلاتٍ أميركية مبكرة وبلا ضماناتٍ كافية – وفق ما عبّر عنه «الارتدادُ السريع» في مجلس الشيوخ الأميركي عن القرار الذي يهدف إلى سحب القوّات الأميركية من الحرب مع إيران.
تشدّد نتنياهو
وتُوّج التشدد الإسرائيلي موقف لبنيامين نتنياهو، أعلن فيه «لن ننسحب من لبنان وسنبقى فيه طالما دعت الحاجة إلى ذلك»، مؤكداً «أمرتُ الجيش بالقيام بكل ما يلزم لحماية سكان الشمال، ولاتزال هناك مهام يجب القيام بها في مواجهة إيران وحزب الله وحماس ولم يَعد لدى هؤلاء الكثير لفعله».
وترافق هذا الموقف مع إعلان وزير الدفاع يسرائيل كاتس، أن إسرائيل «سترد على إيران بكل قوتها إذا هاجمتها بسبب عملياتها في لبنان»، وما أوردتْه «يديعوت أحرونوت» عن مسؤول إسرائيلي لجهة «أن نتنياهو، نجح في إقناع ترامب، بعدم انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان»، وقبْلها إشارة الحكومة إلى «أن المفاوضات تبحث في إعادة انتشار جيشنا في جنوب لبنان، ونزع سلاح حزب الله شرط أساسي لانسحابنا، وانتشار الجيش اللبناني يجب أن يحدث قبل انسحاب قواتنا، ولن ننسحب طالما استمر» تهديد «حزب الله».
وفي هذا الوقت كانت تقارير من واشنطن تتحدث عن أن «الاجتماع النهائي» في واشنطن بين لبنان وإسرائيل «وصل لطريق مسدود».
وأفادت قناة «الحدث» نقلاً عن مصادرها «بأن بند الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عَرقل التوصل لاتفاق في المفاوضات، وإسرائيل تصر على البقاء في منطقة عازلة في جنوب لبنان، وطالبت بحرية التحرك حتى الحصول على ضمانات بشأن سلاح حزب الله»، وأن «لبنان طالب بجدول زمني واضح للانسحاب من الجنوب».
أما واشنطن فـ«تدفع باتجاه انسحاب مرحلي لإسرائيل من الجنوب وتعمل على إنشاء «منطقة أمنية تجريبية» تُسلَّم للجانب اللبناني».
وعلى الموجة نفسها، أوردت محطة «ام تي في» نقلاً عن مسؤول في الإدارة الأميركية «أن الصورة أعقد بكثير من انسحاب دبابة من نقطة معيّنة فالملف متشابك وهناك ترتيبات أمنية وسياسية أعمق».
وجاءت هذه المناخات، بعد معطيات تحدثت عن رفض إسرائيل التزام جدول زمني للانسحاب ووضعه شروطاً صعبة لذلك، بينها أن يبقى جيشها في المناطق التجريبية ويدخلها الجيش اللبناني لـ «تختبر» جديته في تفكيك اي بنية عسكرية لـ «حزب الله»، وهو ما لا يمكن لبيروت السير فيه، وعن أن الوفد اللبناني والجانب الأميركي قدّم أكثر من عشرة اقتراحات لمناطق تجريبية لم توافق عليها تل أبيب التي كانت لاتزال تصرّ على أن يعمل الجيش اللبناني أيضاً في مناطق خارج نطاق الاحتلال، في جنوب الليطاني كما شماله، بما يعني فرْضها تطبيق حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية بتوقيتها وضمن إطار ناظم تكون لها اليد العليا فيه أي«ما فوق داخلي»، على عكس ما تفضّله بيروت لمسألة السلاح شمال الليطاني.
في موازاة ذلك، ارتسمت ملامح استعجال أميركي على انتزاع شيء ما إيجابي من مفاوضات واشنطن لتكريس فصله عن مسار سويسرا.
وفي السياق وُضع ما نقلتْه «رويترز» عن مسؤول في الخارجية الأميركية من أن إسرائيل انسحبت من جزء من المنطقة العازلة جنوب لبنان كـ «بادرة حسن نية تجاه الحكومة اللبنانية»، قبل أن ينفي الجيش الإسرائيلي تلقي أي تعليمات بالانسحاب.
روبيو
والأكثر إثارة للانتباه، كانت مواقف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، من البحرين التي شهدت الاجتماع الخليجي - الأميركي الذي شدد على«أهمية الحفاظ على عملية التفاوض في لبنان»، وأكد «اهمية نزع السلاح الكامل للجماعات غير الحكومية».
فإلى جانب إشادة روبيو، بتقدّم محرز في المفاوضات، قائلاً «نتائج الأربعاء من المفاوضات كانت جيدة جداً، وأعتقد أننا قريبون جداً من تحقيق آمالنا في الحصول على التزام نيات بين البلدين»، حرص على بلورة ما كان كُشف قبل يومين عن تشغيل آلية مراقبة عبر القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) لتزويد صنّاع القرار في واشنطن بمعلومات دقيقة وفورية حول القتال في لبنان، وهو ما اعتُبر آلية لخنْق «خلية بورغنشتوك» وخصوصاً أن وزير الخارجية الأميركي كشف أنها بدأتْ عملَها ميدانياً.
ففي تصريحاته التي ترجمتها «الراي»، قال روبيو «يوم الجمعة، عاودنا إطلاق آلية المراقبة بعدما كانت نائمة لفترة من الوقت. والآن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تجلس ليس فقط مع القيادة العسكرية الإسرائيلية، بل أيضاً مع القيادة اللبنانية. وفي أي وقت يقع فيه حادث، فإننا لا نأخذ بكلمة أحد، بل يمكننا رؤية الحادث وتوصيفه وتحديد ما حدث بالفعل بدقة».
وأضاف «على سبيل المثال، الأربعاء اقترب شخصان مسلحان في نوع من الآليات - ومن الواضح أنهما مقاتلان من حزب الله - من نقطة تفتيش إسرائيلية، وتعامَل الإسرائيليون مع الأمر. وقبل أسبوع، لو حدث ذلك، لكان لديك في وسائل الإعلام تقرير يفيد بأن شخصين قُتلا في لبنان على يد الإسرائيليين. أما الآن، فلدينا صدقية ودقة تجعلنا نعرف بالفعل - ليس لأنهم أخبرونا، بل لأننا رأينا ذلك ورأينا اللقطات - أن هذين الشخصين كانا مسلحيْن، ولم يكونا جزءاً من القوات المسلحة اللبنانية، واقتربا من نقطة التفتيش، وشكلا تهديداً نتيجة لذلك. إذن، هذا فارق كبير عما كان عليه الأمر قبل أسبوع واحد فقط».
وأعلن «أننا قريبون جداً في آمالنا للتوصل إلى التزام، أو إعلان نيات، بين البلدين، وأعتقد أن ذلك سيبدأ في رسم ملامح مستقبل واعد. ستكون هذه العملية ممتدة، وتستغرق بعض الوقت، وتتطلب الكثير من العمل. ولكن يمكنني أن أخبركم أنه للمرة الأولى منذ 30 عاماً، تتحدث الحكومة السيادية في لبنان إلى حكومة إسرائيل بشكل مباشر. وهذا هو الطرف الذي سنتفاوض معه، وهذا هو الطرف الذي سنعمل معه، وليس حزب الله. حزب الله ليس الحكومة في لبنان؛ فلبنان لديه حكومة، وقادة منتخبون ديمقراطياً، وهم مَن يملكون الحق السيادي في التحدث والدفاع عن مصالح الشعب اللبناني. وما نريده للبنان هو مستقبل سلمي».
وهل اتفقتَ مع نائب الرئيس جاي دي فانس، ردّ روبيو قبل أن يكتمل السؤال «أخبرتكم بالفعل بالعملية التي نقوم بها في الوقت الحالي، والتي تتيح لنا أن نعرف ما يحدث بالفعل. وسنكون قادرين على إجراء تقييم صادق لما يحدث وما لا يحدث. لسوء الحظ، على مدى الأسابيع القليلة الماضية، كانت هناك ضبابية لجهة عدم المعرفة بدقة مَن ضرب مَن، وأين، ولماذا. وأعتقد أن هذا الأمر قد تم حله الآن بموجب الآلية التي تحدثت عنها».