نحو إستراتيجية تنموية للتعليم في الكويت

24 يونيو 2026 10:00 م

أثار إعلان وزير التربية عن اللائحة التعليمية الجديدة نقاشاً واسعاً في الأوساط التربوية والتعليمية. ومع التقدير لأي جهد إصلاحي يستهدف تطوير التعليم، فإن السؤال الجوهري يبقى: هل تمثل هذه اللائحة رؤية تعليمية جديدة تعالج تحديات المستقبل، أم أنها مجرد تعديلات إجرائية داخل إطار النظام القائم؟

من وجهة نظري، ومن واقع تجربة عملية امتدت ما يقارب 30 عاماً في التعليم العام منها لأكثر من ثلاثة عشر عاماً في إدارة المعهد الديني بوزارة التربية (1991–2004)، شاركت خلالها في إعداد «إستراتيجية التعليم الديني» التي اعتمدت رسمياً عام 2002، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من اللوائح، بل من الرؤية والإستراتيجية الوطنية للتعليم.

لقد تغيّر العالم بصورة جذرية خلال العقدين الماضيين.

فالذكاء الاصطناعي، والثورة الرقمية، واقتصاد المعرفة، والتحولات المهنية المتسارعة، جميعها فرضت واقعاً جديداً لم تعد معه النظم التعليمية التقليدية قادرة على إعداد الإنسان للمستقبل.

ومن هنا فإن الكويت بحاجة إلى إستراتيجية تعليمية وطنية جديدة تنطلق من سؤال بسيط:

أي مواطن نريد أن نُخرج بعد عشرين عاماً؟

دروس من سنغافورة وماليزيا:

خلال زيارة رسمية ضمن وفد تربوي عام 2002 إلى سنغافورة وماليزيا للاطلاع على تجاربهما التعليمية، لفت انتباهي أن سر النجاح لم يكن في المباني أو التقنيات، وإنما في وجود رؤية وطنية متكاملة ربطت التعليم بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ففي ماليزيا ارتبطت الإصلاحات التعليمية برؤية مهاتير محمد، للتحول إلى دولة صناعية متقدمة.

أما في سنغافورة فقد ارتبط التعليم بمشروع بناء الدولة الذي قاده لي كوان يو، حيث اعتُبر التعليم الأداة الرئيسية لتحويل جزيرة صغيرة فقيرة الموارد إلى أحد أكثر اقتصادات العالم تنافسية.

واليوم تتصدر سنغافورة نتائج الاختبارات الدولية، فقد حقق طلابها المركز الأول عالمياً في اختبارات OECD PISA 2022 في الرياضيات والعلوم والقراءة، كما سجلت أعلى نسبة من الطلبة المتفوقين عالمياً وأدنى نسب الطلبة ذوي الأداء المتدني.

ماذا فعلت سنغافورة؟

هناك اعتقاد شائع بأن نجاح سنغافورة يعود إلى صرامة الامتحانات فقط، بينما الحقيقة أكثر عمقاً.

فقد قامت فلسفة التعليم السنغافورية على أربعة مرتكزات رئيسية:

أولاً: تعليم يناسب قدرات المتعلم

أدركت سنغافورة مبكراً أن الطلبة ليسوا نسخة واحدة، وأن الفروق الفردية حقيقة تربوية لا يمكن تجاهلها.

لذلك طورت نظاماً يراعي مستويات التعلم المختلفة ويقدم مناهج ومسارات مناسبة لكل فئة من الطلبة، مع توفير مرونة للانتقال بين المستويات بحسب تطور أداء الطالب. وقد تطور النظام لاحقاً من «التصنيف الصارم» إلى «التعليم المرن القائم على المواد والمستويات» لتقليل الآثار السلبية للتقسيم التقليدي.

ثانياً: القضاء على الهدر التعليمي

عندما بدأت سنغافورة إصلاحاتها التعليمية في أواخر السبعينات كانت تعاني نسباً مرتفعة من الرسوب والتسرب، إذ سجلت معدلات الهدر التعليمي آنذاك نحو 29 % في المرحلة الابتدائية و36 % في المرحلة الثانوية.

وقد صُمم النظام الجديد لمعالجة هذه المشكلة عبر توفير مسارات متعددة تناسب قدرات الطلبة وسرعات تعلمهم المختلفة.

والنتيجة أن سنغافورة أصبحت اليوم من الدول الأعلى عالمياً في إكمال التعليم الثانوي، حيث تتجاوز معدلات الاستمرار الدراسي 99 %.

ثالثاً: المُعلّم أولاً

اختارت سنغافورة أن تبدأ الإصلاح من المعلم.

فالمعلم هناك لا يُقبل في مهنة التعليم إلا بعد اجتياز معايير تنافسية عالية ويكون متخرجاً من مدارس النخبة الخاصة في المرحلة الثانوية والتي لا يقبل فيها إلا من حصل على 90 % من الدرجات وأن يتخرج بالمعدل ذاته، ثم يخضع لتأهيل متخصص وتدريب مستمر طوال حياته المهنية.

ولهذا أصبح المعلم أحد أهم أركان النهضة السنغافورية وليس مجرد موظف ينقل المعرفة.

رابعاً: ربط التعليم بسوق العمل

لم تعد الجامعة في سنغافورة الطريق الوحيد للنجاح.

فالدولة بنت منظومة متكاملة من المعاهد التقنية والمهنية والتطبيقية ترتبط مباشرة باحتياجات الاقتصاد الوطني، وأصبح التعليم المهني والنوعي والصناعى والتقني مساراً محترماً يفتح أبواباً واسعة للعمل والدخل والترقي الوظيفي.

ماذا تحتاج الكويت؟

المشكلة الأساسية في التعليم الكويتي ليست في عدد المدارس ولا في حجم الإنفاق.

فالكويت تنفق مليارات الدنانير على التعليم، ومع ذلك ما زالت تواجه تحديات في مخرجات التعليم، وضعف الارتباط بسوق العمل، وارتفاع الاعتماد على التوظيف الحكومي، وتراجع ترتيب الطلبة في بعض المؤشرات الدولية.

ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس تعديل اللوائح فقط، وإنما إطلاق مشروع وطني شامل للتعليم يرتكز على سبعة محاور:

1 - إعداد رؤية تعليمية حتى عام 2045 مرتبطة بخطة التنمية الوطنية.

2 - إعادة تصميم السلم التعليمي وفق أفضل الممارسات العالمية.

3 - تطوير المناهج نحو مهارات المستقبل والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.

4 - إنشاء نظام وطني للاختبارات المعيارية وقياس الكفايات.

5 - إعادة بناء مهنة التعليم واختيار المعلمين من أفضل الخريجين.

6 - التوسع في التعليم التقني والمهني وربطه بالشركات والقطاع الخاص.

7 - ربط القبول الجامعي والتخصصات باحتياجات التنمية المستقبلية للدولة.

من التعليم للجميع إلى التعليم المناسب لكل فرد:

لقد كان الهدف في القرن الماضي هو توفير التعليم للجميع.

أما هدف القرن الحادي والعشرين فهو توفير التعليم المناسب لكل متعلم.

فالطالب الموهوب يحتاج مساراً مختلفاً عن الطالب المتوسط، والطالب المبدع يحتاج بيئة مختلفة عن الطالب المهني، والاقتصاد الحديث يحتاج فنيين وتقنيين ومبرمجين بقدر حاجته إلى الأطباء والمهندسين والباحثين.

ولهذا فإن العدالة التعليمية لا تعني المساواة المطلقة بين الجميع، بل تعني تمكين كل طالب من الوصول إلى أقصى ما تسمح به قدراته ومواهبه.

كلمة أخيرة:

إنّ اللائحة التعليمية الجديدة يمكن أن تكون خطوة إيجابية إذا اعتُبرت بداية لحوار وطني أوسع حول مستقبل التعليم في الكويت.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في اللائحة، وإنما في بناء إستراتيجية تعليمية وطنية طويلة المدى تنطلق من احتياجات الدولة المستقبلية، وتربط المدرسة بالاقتصاد، والتعليم بالتنمية، والطالب بمستقبل وطنه.

لقد نجحت سنغافورة لأنها سألت نفسها قبل خمسين عاماً: ماذا نريد أن نكون بعد جيل واحد؟

والسؤال نفسه مطروح اليوم أمام الكويت.

فهل نبني نظاماً تعليمياً للماضي، أم نصنع تعليماً يقود الكويت إلى المستقبل؟