مباحثات شاقة حول المناطق التجريبية في جنوب لبنان و«أفخاخها»... ونتنياهو «يشدّ الحبل» الانتخابي

مفاوضات واشنطن اللبنانية - الاسرائيلية تسير بين «أشواك» مسار سويسرا

24 يونيو 2026 10:00 م

بدا من الصعب في بيروت، استشرافُ مآلاتِ الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب التي تنتهي الخميس، في الولايات المتحدة، بعدما باتت في عَيْنِ دينامياتٍ متكاملةٍ في الشكل ولكنها تتسابق في العمق تحت عنوان مَن يُمْسِك بورقةِ «بلاد الأرز» ويحدّد اتجاهاتها النهائية، مسارُ واشنطن برافعتِه الأميركية وأجندته التي تتمحور حول الانسحاب الإسرائيلي وسحْب سلاح «حزب الله»، أم مسار سويسرا الذي وَضَع طهران عملياً في «قمرةِ القيادةِ» في ما خصّ ملف وَقْفِ النار على جبهة لبنان رغم محاولاتِ تقييد دور إيران وحصْره بجعْل ذراعها الأبرز، الحزب، يَنْتَظم تحت موجباتِ إنهاء دوره العسكري.

وغداة «اليقظة» الأميركية حيال «أضرارِ» تظهير الخلية التي أُعلن تشكيلها في بورغنشتوك «لتفادي التصعيد وضمان التزام وَقْفِ العمليات العسكرية في لبنان» على أنها تسليمٌ بـ «يدٍ عليا» لإيران في الملف اللبناني انطلاقاً من استعجال الرئيس دونالد ترامب، ضَبْط المسار الحربي على «عقربي الساعة» الأميركية، الاقتصادي والانتخابي، لم تَبرز الأربعاء إشاراتٌ كافية تشي بأن الطريقَ معبَّد أمام منْحِ إسرائيل مسار واشنطن التفاوضي «بطاقةَ تسهيل» عبورٍ أقرب إلى «نزع الصفة» والفاعلية عن الشقّ اللبناني من مسار سويسرا الموازي، وذلك بالسرعةِ اللازمة لسحْب البساط من تحت أقدامِ طهران التي استفادتْ من تأخُّر قطارِ حَصْرِ السلاح في «بلاد الأرز»، ومن إدارة ترمب، مسار إسلام آباد بما فوّت، أقله حتى الآن، على الولايات المتحدة فرصة تسييلِ انتصارها العسكري و«تقريشه» بالمستوى نفسه سياسياً.

وعلى وهج تطميناتِ كلّ من نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، للبنان بأن الاتصالات مع طهران لا تعني إعطاءها «أي دور في تقرير مستقبل لبنان» وأن مساري واشنطن وسويسرا منفصلان وأن دَعْم إيران لحزب الله هو العامل الذي يُبحث من ضمن المناقشات معها بهدف الضغط عليه للوفاء بالالتزامات المترتّبة عليه، ارتسمتْ من العاصمة الأميركية مَلامحُ تعثُّرٍ على الطاولة اللبنانية - الإسرائيلية خصوصاً في عنوان الانسحاب والمناطق التجريبية بُذلت جهود كبيرة لتجاوُزه وبلوغِ تفاهماتٍ تتيح أن يُتوَّج ختامُ مفاوضات الأيام الثلاثة اليوم بإعلان نيات شامل وبما يجعل مسار واشنطن الإطار الناظم والتنفيذي لتثمير مرحلة وقف النار وتصفيحها بإطلاق عمليةِ الانسحابِ التدريجي الجدّية بالتوازي مع آلياتٍ يُعمل عليها لملف السلاح وتتشابك مع مسار سويسرا.

تشدّد نتنياهو

وفيما كانت خفايا هذا التعثر تتّضح تباعاً من واشنطن، برزت رسائل سلبية من تل أبيب بإزاء حدود تراجعاتها الممكنة على مسار واشنطن، من دون أن يُعرف إذا كان الأمرُ لزومَ مخاطبة «انتخابية» للداخل الإسرائيلي واسترداد بنيامين نتيناهو، بعض «الهيبة» التي خسرها بفعل ظهوره غير قادر على قول «لا» لترامب، وفي الوقت نفسه استدراج مراعاة أميركية له في مفاصل أمنية يراها أساسية في ما خص جبهتيْ لبنان وإيران، أم أن تشدُّد رئيس الوزراء الإسرائيلي هو امتداد لسوء القراءة والتقدير بأن الوقتَ مازال في مصلحة الدولة العبرية التي أكد خبراء إستراتيجيون أنها وقعت في فخ انتظارٍ لترجمة انتصاراتها العسكرية على حزب الله في دبلوماسيةٍ تُحقق لها مصالحها في الأمن وللبنان وحدة أراضيه وسيادته عليها.

وبحسب أوساط سياسية فإن اتضاح خلفية إعلان نتنياهو «سنبقى في الشريط الأمني في لبنان طالما بقيتُ رئيساً للوزراء (...) ومهمتنا في لبنان لم تنته بعد ولايزال هناك ما يجب أن نفعله، ونقيم حزاماً أمنياَ عازلاً في جنوب لبنان لمنْع حزب الله من شن هجماتٍ علينا»، يتوقف عليه استشرافُ ما قد يقوم به في الأيام المقبلة، وهل يَهرب إلى الأمام وإن في شكلٍ «ناعم» بوجه «حزب الله»، لاستدراجه لخرْق وقف النار، محاولاً بذلك التخريبَ مجدداً على مسار سويسرا، أم أنه تعلّم «درسَ» أن مثل هذا الأمر سيرتدّ عليه غضبةً أكبر من ترامب، تجعل إسرائيل تظهر أكثر في موقع «الملحقة» بمسار ترتيباتٍ إقليمية كبرى لا دور لها في تشكيلها حتى أنها خارج طاولة تحديد شكلها، وهو ما سيفرض عليه إعطاء مسار واشنطن فرصةً مفتاحها موضوع الانسحاب وفق آلية مرنة.

مُسيرات فوق بيروت

وفي وقت واصلت إسرائيل خرق وقف النار حيث استهدفت مسيّرة سيارةً في كفررمان، قرب النبطية، ما أدى إلى سقوط شخصين، وسط عودة «المسيّرات» للتحليق بكثافة في أجواء بيروت والضاحية الجنوبية، عبّر السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، الذي يشارك في مفاوضات واشنطن، قبيل بدء اليوم الثاني منها، على مستوى الوفود العسكرية، عن حقيقة المناخات التي سادت الثلاثاء بقوله «كان هناك تعثر البارحة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي لكن نأمل ان يُحلّ».

وعلى وقع المعلومات عن أن مفاوضات الأربعاء ركّزت على مشروع تجريبيّ مدعوم من الولايات المتحدة تسلّم إسرائيل بموجبه الجيش اللبناني السيطرة على أراضٍ في جنوب لبنان، وما نقلتْه «رويترز» من «أن الجيش (اللبناني) سيخضع للتدريب والتدقيق الأمني الأميركي»، تبلورت الإشكالية المتصلة بـ «المناطق التجريبية» والتي تتجاوز تقسيماتها، بين بلداتٍ، أو أقضية بكاملها كما طالب رئيس البرلمان نبيه بري، إلى آلية التحقق من سحب السلاح فيها وأيهما أولا خروج إسرائيل أم دخولُ الجيش اللبناني و«اختبار» تل أبيب التزامها بتعهداتها.

وفي هذا الإطار نُقل عن مصدر أميركي أن إسرائيل تربط أي انسحابٍ بخطوات ميدانية من الجانب اللبناني، وأن الخلاف الأساسي في المفاوضات يتمحور حول آلية بدء الانسحاب وأن تل أبيب تتمسك بمبدأ «خطوة مقابل خطوة»، وتطلب من الجيش اللبناني إثبات قدرته على تفكيك البنية العسكرية لحزب الله في المناطق المعنية.

وبحسب قناة «العربية» فإن إسرائيل، كما قال المصدر الأميركي، تطالب بتفتيش أنفاق منطقة علي الطاهر والتأكد من خلوها من عناصر «حزب الله»، مشيراً إلى أن بين مطالبها تمركز الجيش اللبناني في المنطقة قبل تنفيذ الانسحاب، بما يعني أنها تسعى إلى الحصول على ضمانات ميدانية في شأن قدرة الجيش اللبناني على بسط السيطرة ومنع وجود أي بنى عسكرية تابعة للحزب.

وفي السياق نفسه، أوردتْ تقارير في وسائل إعلام لبنانية أن محاولة إسرائيل إدراج بلدات ومواقع لم تَسقط بعد في يد الاحتلال وهي خارج الخط الأصفر وبعضها شمال الليطاني ضمن المناطق التجريبية وطرْحها دخول الجيش إليها وتفتيشها بإشراف أميركي أمر لن يقبل به لبنان، لأنه يَعْني في جانب دخول الجيش قبل أن تنسحب تل أبيب ناهيك عن أنه سعي لاستدراجِ توتراتٍ داخليةٍ تحرص بيروت على تَفاديها من خلال جعْل السلاح شمال النهر رهْن قرارات الحكومة بحصْر السلاح بيد الدولة وآلياتٍ لا تَفرضها الدولة العبرية.

امتعاض أميركي

وفي إطار متصل، برز ما أوردته قناة MTV اللبنانية من واشنطن عن «امتعاض يسود في بعض الدوائر الأميركية من رفض الوفد العسكري اللبناني الظهور في صورة مشترَكة مع الجانب الإسرائيلي»، متحدثة عن «أسئلة تُطرح في بعض أروقة الكونغرس: مَن طلب مِن الضباط القيام بذلك؟ وهل يتحرّك الوفد العسكري بتفويضٍ واضح من الدولة اللبنانية؟ أليست الدولة اللبنانية نفسها هي التي قبلت بالمفاوضات المباشرة برعاية أميركية؟ وهل هناك وحدة قرار داخل الوفد اللبناني بين المسار السياسي والمسار العسكري؟»، ولافتة إلى أن «هذا الامتعاض وصل إلى جهات أميركية معنية بالتمويل والعلاقات الخارجية، ما أثار تساؤلات حول مستقبل الدعم الأميركي للجيش اللبناني».

عون وسلام

وفي موازاة ذلك، جدد الرئيس اللبناني جوزاف عون، تأكيد أن «المفاوضات اللبنانية - الأميركية - الإسرائيلية في واشنطن مستمرة وتتناول مواضيع مختلفة بينها الإجراءات الأمنية الضرورية لاعادة الاستقرار إلى الجنوب وبسط سلطة الدولة حتى الحدود الجنوبية المعترف بها دولياً»، لافتاً إلى أن «التفاوض في واشنطن منفصل عما صدر عن اجتماعات سويسرا الأسبوع الماضي بين الولايات المتحدة وإيران بمتابعة قطرية وباكستانية».

بدوره، قال رئيس الحكومة نواف سلام إن «لبنان وُضع في صورة الخلية التي تشكّلت في سويسرا، ونحن جزء منها، وهدفها تثبيت وقف النار، إلا أن مسار واشنطن مختلف عنها»، مؤكداً «اننا لا نحصر السلاح بيد الدولة إرضاءً لإسرائيل، فهذه مسألة لبنانية مستقلة ومتفَق عليها، وقد تأخّرنا في تنفيذها طويلاً، أي منذ إقرار اتفاق الطائف قبل 36 عاماً (...) ولن نتفاوض على تطبيق اتفاق الطائف».