لبنان... بين انتهاكات إسرائيل لوقف إطلاق النار والمناورة التفاوضية مع إيران

24 يونيو 2026 10:00 م

- خطوط الانسحاب المحتملة من ثلاثة خيارات
- هوربيتس: إسرائيل تعمل الآن في لبنان كخُلد أعمى فقدَ حاسة الشم
- إغلاق شبه تام للحدود السورية
- اللبنانية أمام التهريب
- إفراغ الجيش اللبناني والموانئ والمطارات... من نفوذ «حزب الله»

في رقعة الشطرنج الشرق أوسطية المشتعلة، تتحول الساحة اللبنانية إلى مسرح للصراع الأكثر تعقيداً وتداعياً، حيث يتقاطع العنف والتدمير الإسرائيلي مع المناورات الدبلوماسية الكبرى بين واشنطن وطهران، وتتآكل فيه السيادة اللبنانية تحت وطأة الاحتلال المتجدد، فيما يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية في جنوب لبنان

هذا المزيج المتناقض من التصعيد العسكري والمساعي الدبلوماسية يطرح أسئلة مصيرية: ما هو الدور الذي يلعبه جيش الاحتلال في لبنان اليوم؟ كيف ينتهك وقف إطلاق النار؟ وما انعكاسات ذلك على المسار التفاوضي مع إيران؟ والأهم، إلى أين تتجه الإستراتيجية الإسرائيلية في هذه الساحة المعقدة، وهل هي مجرد «تنكيش سنان» قبل تغيير «طقم الأسنان المهشم» - كما يصف المحللون الإسرائيليون - أم أن هناك محاولة يائسة لإعادة إنتاج فشل تاريخي؟

يكشف كبار الكتاب والمحللين العسكريين في صحف «يديعوت أحرونوت»، «معاريف»، و«إسرائيل اليوم»، عن التحولات الإستراتيجية العميقة التي تشهدها المنطقة، ويكشفون النقاب عن سياسة إسرائيلية تائهة بين منطق القوة الغاشم ومتاهات الدبلوماسية.

ماذا يفعل الجيش الإسرائيلي هناك؟

تجيب الكاتبة أرييلا رينغل هوفمان، في مقال افتتاحي في «يديعوت أحرونوت» عن سؤال محوري، وتأتي الإجابة باختصار صادم: «لا شيء. لا توجد هجمات مُدبّرة، لقد أوقفوا التقدم، وهم يعملون على استقرار الأوضاع في الأراضي المحتلة. تنكيش سنان... قتل عنصر هنا وآخر هناك».

هذه العمليات الواسعة تُظهر أن الجيش الإسرائيلي لا يقتصر على الردود المحدودة، بل ينفذ ضربات استباقية واسعة النطاق. إنها سياسة «الضرب أولاً والسؤال لاحقاً»، التي تعكس إستراتيجية تهدف إلى إبقاء لبنان في حالة من التوتر الدائم، وإطالة أمد الوجود العسكري، وكسر أي محاولة لترسيخ وقف إطلاق النار.

«الفاسد» وشتاء سيبيريا القارس

تقدم الكاتبة أرييلا رينغل هوفمان، نقداً لاذعاً للسياسة الإسرائيلية، متسائلة بمرارة «كيف يمكن تلخيص كل مساوئ السلوك الإسرائيلي في بضعة أسطر؟ لدرجة أن كلمة فاسد، تصفها، كما تصف كلمة بارد، شعور شتاء سيبيريا القارس».

وتنتقد غياب إستراتيجية واضحة، محذرة من أن «البقاء في لبنان هو تكرار لنموذج فشل في الماضي، وأكثر من مرة. هذا النقد الداخلي اللاذع يكشف عن حالة من الإحباط واليأس تسود الأوساط المطلعة، التي ترى أن القيادة السياسية الحالية عاجزة عن تقديم أي حلول إستراتيجية، وأن الجيش يجر إلى مستنقع لبناني جديد من دون رؤية واضحة للخروج منه».

«آلية التهدئة» الجديدة وتهميش إسرائيل

يثير الإعلان عن«آلية التهدئة» الجديدة، التي خرجت من المفاوضات الأميركية - الإيرانية بوساطة قطرية وباكستانية، قلقاً عميقاً في إسرائيل. فالهيئة الجديدة تشرف عليها الولايات المتحدة، وإيران، ولبنان، وقطر، وباكستان، وتخلو تماماً من أي تمثيل إسرائيلي رسمي. هذا التهميش يثير مخاوف إسرائيل من تقييد حريتها في العمل على حدودها الشمالية.

ويصف الرئيس إسحاق هيرتسوغ، المبادرة بأنها غير مقبولة، قائلاً«إن أي حل دائم يجب أن يأتي من مفاوضات مباشرة بين إسرائيل ولبنان»، وليس مما وصفه بـ«الضغوط الإيرانية».

3 خيارات في مهب الريح

يكشف تقرير«جيروزالم بوست»عن ثلاثة خيارات رئيسية لخطوط الانسحاب الإسرائيلي، ما يعكس حالة التخبط الإستراتيجي:

- خط ما قبل 26 مايو: حيث لم يكن الجيش الإسرائيلي قد عبر نهر الليطاني أو وادي السلوقي.

- أحد خطوط القرى الثلاثة في جنوب لبنان: حيث تقدم الجيش إلى عمق يتراوح بين 3-5 كيلومترات.

- المواقع الخمسة التي انسحب إليها في فبراير 2025، والتي تبعد بضع مئات من الأمتار فقط عن الحدود.

ويبدو أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو،ووزير الدفاع إسرائيل كاتس، يعطيان انطباعاً بأن الجيش سيبقى في أجزاء من جنوب لبنان لشهور أو حتى سنوات، للضغط على حزب الله لنزع سلاحه. هذا التصميم على البقاء، رغم الضغوط الدولية والإقليمية، يعكس نية إسرائيلية لترسيخ واقع جديد في جنوب لبنان، وتحويله إلى منطقة عازلة دائمة تحت الاحتلال.

انعكاسات إستراتيجية على إسرائيل

وقّع الرئيسان الأميركي دونالد ترامب، والإيراني مسعود بزشكيان، مذكرة تفاهم من 14 بنداً، تُعد إطاراً لإنهاء الصراع، وتشمل رفع العقوبات، ومفاوضات نووية، وإعادة فتح مضيق هرمز، تمهيداً لاتفاق نهائي خلال 60 يوماً.

البند الأول يلزم جميع الأطراف«الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان»، مع تأكيد سيادة لبنان وسلامته الإقليمية.

هذا الاتفاق، إذا تم تنفيذه، سيغير قواعد اللعبة بشكل جذري، وسيحد من قدرة إسرائيل على شن عمليات عسكرية في لبنان من دون موافقة أميركية وإيرانية. وبالنسبة لإسرائيل، فإن هذا يعني فقدان حرية العمل التي كانت تتمتع بها في الساحة اللبنانية، وتحولها إلى لاعب مقيد في لعبة كبرى يديرها الآخرون.

بين الاستسلام والرفض

يعكس تحليلان نقيضان في«معاريف» الانقسام الحاد في الرأي الإسرائيلي حول الاتفاق:

أفرايم غانور، يصف الحرب ضد إيران بأنها«فشل مدوٍ». ويحذر من أن الاتفاق«سيضخ للإيرانيين... المليارات التي ستساعدهم في ترميم اقتصادهم، جيشهم وحلفائهم».

ويخلص إلى نتيجة قاسية ولكنها واضحة:

«هذه الحكومة السيئة التي جلبتنا إلى هذا الواقع الرهيب يجب أن تختفي على الفور».

في المقابل، يرى ران أدليست، أن«اتفاق الولايات المتحدة وإيران هو الأمر الأفضل الذي حصل لدولة إسرائيل منذ صعود حكومة اليمين»، معتبراً أن الاتفاق سيمنع الحرب برقابة قوات أجنبية، محذراً من أن الرفض سيؤدي إلى عقوبات من مجلس الأمن من دون فيتو أميركي.

هذا الانقسام الحاد يعكس أزمة عميقة في المؤسسة السياسية، ويضعف قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة، ويجعلها عرضة للابتزاز من قبل أطراف متطرفة داخل الائتلاف وخارجه.

سيناريو خطير

يحذر المحللون من أن إسرائيل، غير الراضية عن الاتفاق، قد تسعى لتعطيله باستخدام الساحة اللبنانية كورقة ضغط. يقول آهرون بريغمان، المحاضر في كلية كينغز كوليدج لندن«بنيامين نتنياهو، سيبذل كل ما في وسعه لتعطيل الصفقة. إن لم يكن الآن، ففي الأسابيع والأشهر القادمة. أداته ستكون لبنان».

ويضيف ريان بول، المحلل في شبكة RANE«الفكرة هي استفزاز حزب الله أو إيران للرد بطريقة تدفع أميركا إلى العودة إلى موقف متشدد».

هذه التحليلات تشير إلى أن إسرائيل قد تكون مستعدة لتحمل مخاطر كبيرة، بما في ذلك حرب إقليمية شاملة، بهدف إفشال الاتفاق ومنع رفع العقوبات عن طهران.

«أسوأ مما كان عليه»

يقدم المقدم احتياط أور هوربيتس، رئيس فرع «حزب الله» السابق في الاستخبارات العسكرية، رؤية إستراتيجية متكاملة في «إسرائيل اليوم».

ويقر بصراحة نادرة «الوضع الإستراتيجي لإسرائيل في لبنان أسوأ مما كان عليه قبل حملة زئير الأسد».

ويشير إلى أن إسرائيل انتقلت من حرية عمل كاملة في لبنان إلى واقع قيود قاسية على حرية عملها. ففي نوفمبر 2025، اغتالت إسرائيل رئيس أركان «حزب الله» في بيروت باسناد أميركي ومن دون أي رد فعل من الحزب أو إيران. أما اليوم، فكل عمل في الضاحية ينطوي على مخاطرة عالية برد إيراني وتعميق التوتر مع الولايات المتحدة.

الفرصة الإستراتيجية

لكنه يرى أن هناك فرصة إستراتيجية، لأسباب عدة:

- النظام السوري الجديد معادٍ أيديولوجياً وعميقاً لحزب الله، ما يمكن من إغلاق شبه مطلق لـ«أنبوب الحياة» الذي نقل عبره التنظيم معظم أمواله ووسائله القتالية.

- عزلة حزب الله في لبنان غير مسبوقة، حتى داخل الطائفة الشيعية نفسها، مع تآكل التأييد من الداخل.

إستراتيجية «الجزر والعصي»

ويقترح هوربيتس، إستراتيجية متكاملة تقوم على أربعة محاور:

- معركة لتوسيع حرية العمل في لبنان، من تحت حافة المواجهة المباشرة مع إيران.

- إغلاق شبه تام للحدود السورية- اللبنانية أمام التهريب، بتعاون سوري -لبناني، وأميركي- إسرائيلي.

- إفراغ الجيش اللبناني والموانئ والمطارات من نفوذ حزب الله.

- دفع مسيرة سلام جادة مع دولة لبنان، تكون إسرائيل مستعدة فيها لتقديم«الجزر وليس العصي فقط»، بما في ذلك تحديد الظروف التي تسمح بتخفيف متدرج للتواجد في جنوب لبنان.

ويختتم هوربيتس، برسالة نقد حادة تكشف عن عمق الأزمة«إسرائيل تعمل الآن في لبنان كخُلد أعمى فقدَ حاسة الشم: ترد على الفعل وبلا اتجاه. الآن بالذات حين تبدو الظروف أكثر تعقيداً من أي وقت مضى مطلوب لها إستراتيجية ومبادرة».

نحو حتمية الفشل

يكشف التحليل المتعمق للمقالات والتقارير الإسرائيلية والأميركية عن واقع عسكري وإستراتيجي معقد في لبنان، تتقاطع فيه العمليات العسكرية مع المناورات الدبلوماسية الكبرى، وتتحدد فيه ملامح المرحلة القادمة من الصراع في الشرق الأوسط.

ويمكن استخلاص الاستنتاجات التالية:

أولاً - الجيش الإسرائيلي يجر أقدامه في مستنقع لبناني، من دون رؤية واضحة للخروج، محاولاً«تنكيش»قوات حزب الله هنا وهناك، لكنه في النهاية يدرك أن هذه الإجراءات لن تغير المعادلة الاستراتيجية، بل ستعمق الأزمة وتزيد من عزلة إسرائيل الدولية.

ثانياً - وقف إطلاق النار هو مجرد هدنة هشة، وليس سلاماً. الحوادث اليومية، وتبادل الاتهامات، ليس حلاً جذرياً للصراع. الطرفان يستعدان لجولة مقبلة، ويختبران حدود بعضهما البعض باستمرار، في لعبة خطيرة قد تنفجر في أي لحظة.

ثالثاً - الاتفاق الأميركي -الإيراني يغير قواعد اللعبة بشكل جذري. تهميش إسرائيل في«آلية التهدئة» الجديدة، وتقييد حرية عملها، وتدفق المليارات إلى إيران وحلفائها، كلها عوامل تدفع إسرائيل إلى زاوية ضيقة، وقد تدفعها إلى سلوك تصعيدي خطير في لبنان وغزة واليمن، بهدف إفشال الاتفاق قبل أن يترسخ.

رابعاً - الانقسام الداخلي يعمق الأزمة ويعقد أي حل. الحكومة الإسرائيلية منقسمة بين من يرى في الاتفاق فرصة لخفض التصعيد، ومن يرى فيه كارثة إستراتيجية. وهذا الانقسام، مع اقتراب الانتخابات، يضعف قدرة إسرائيل على اتخاذ قرارات حاسمة، ويجعلها عرضة للابتزاز.

خامساً - غياب إستراتيجية واضحة يهدد بتكرار أخطاء الماضي. التحذيرات الإسرائيلية من تكرار نموذج«الاحتلال الطويل»في لبنان، ومن تحول النجاحات التكتيكية إلى هزائم إستراتيجية، تعكس قلقاً عميقاً من انزلاق إسرائيل إلى مستنقع جديد. فالحل العسكري وحده، دون رؤية سياسية واضحة، لن يحقق الأمن الدائم، بل قد يخلق تهديدات جديدة أكثر تعقيداً.

السؤال الأكبر الذي يبقى معلقاً في الهواء: هل ستنجح إسرائيل في تحويل وجودها العسكري في لبنان إلى مكسب «ستراتيجي، أم أن هذا الوجود سيصبح عبئاً جديداً يثقل كاهلها، ويعمق عزلتها الدولية، ويقربها من مواجهة إقليمية شاملة لا تحمد عقباها؟

الإجابة، برأي المحللين الإسرائيليين أنفسهم، واضحة: محاولات الحل المطروحة من قبل الجيش والحكومة سبق وتم تجربتها وفشلت. فإعادة التجربة لن تغير النتائج، لأن البقاء في لبنان هو تكرار لنموذج فشل في الماضي، وأكثر من مرة. إسرائيل اليوم، كما يصفها هوربيتس، تعمل«كخُلد أعمى فقدَ حاسة الشم: ترد على الفعل وبلا اتجاه».

وهذا هو جوهر المأساة الإسرائيلية في لبنان: محاولة يائسة لإعادة إنتاج الماضي في مواجهة مستقبل مجهول، مع قيادة سياسية«غارقة في الفساد» وقوات عسكرية منهكة.