حروف نيرة

صندوق أدهش الحضور

23 يونيو 2026 10:00 م

في مسيرة الحياة تتكاثر الهموم، وتتعدد أوجه الابتلاء التي يمر بها الناس، حتى يرى كلٌّ منا بلاءه أثقل مما يحتمل. فطبيعة الإنسان تدفعه إلى تضخيم مشكلاته، فيبدو له ابتلاؤه هو الأعظم، متغافلاً عمّا يعانيه غيره من آلام قد تفوق ما يمرّ به.

ومع ذلك، فإن التأمّل في معاناة الآخرين يفتح أمام النفس أُفقاً أوسع للفهم، ويجعلها تدرك أن في حياتنا ما هو أكبر من همومنا، وأن البلاء ليس بالضرورة علامة على القسوة أو الحرمان، بل قد يكون باباً من أبواب اللطف الإلهي والرحمة الخفية.

ومن هذا المعنى العميق نتذكر القصة التي حكاها الشيخ محمد متولي الشعراوي، رحمه الله تعالى: أن مجموعة من الناس شكت إلى رجل حكيم ما تواجهه من هموم ومشكلات. فطلب الحكيم أن يكتب كل منهم مشكلته في ورقة يجمعها في صندوق، بعد أيام، دعاهم لسحب ورقة بصورة عشوائية من الصندوق، وعندما بدأ كلٌ منهم بسحب ورقة وما فيها من آلام ومشاكل، دهش كل واحد بما قرأ، وصرخ أحدهم: أريد ورقتي، والتي نطقها الداعية بلفظ: «أنا عايز ورقتي!»

لأنهم وجدوا أن هموم غيرهم أكبر وأثقل مما يحملون. وقال الشيخ حكمته: (لا ينظر الإنسان بما أخذ منه، ولكن ينظر إلى ما بقي له).

هو قول يفتح باباً واسعاً لفهم الرضا الحقيقي؛ فالرضا بقضاء الله ليس مجرد كلمة تُقال، بل هو طريق إلى الطمأنينة والراحة النفسية. فكل إنسان يواجه مصاعب ومحناً، وقد يبدو ابتلاؤه الأشد على قلبه، لكنه عندما يقارن ما يمرّ به بما يعيشه الآخرون، يدرك أن ما يحمله أهون مما ظنه.

والرضا لا يعني غياب الألم أو انعدام الصعوبات، بل هو ثقة عميقة في حكمة الله فيما يختار. فمن رضي بما قدّر الله له عاش مطمئناً، ورأى في الابتلاء رحمة قد لا تظهر له إلا مع مرور الزمن. يقول ابن القيم رحمه الله: «لو كشف الله الغطاء لعبده وأظهر له كيف يدبّر الله له أموره وكيف أن الله أرحم به من أمه، لذاب قلبه محبة لله ولتقطع قلبه شكراً لله».

فالقلب الراضي يلتقط النعم الصغيرة، ويواجه المصاعب بصبر وسكينة، ويوقن أن ما يراه ضرراً قد يكون لطفاً خفياً، وأن ما يُحسب شراً قد يحمل خيراً لا يُدرك في حينه.

وعندما يطالع الإنسان مصائب الآخرين، يشعر أن ابتلاءه أقل وطأة، وأن ما يملكه من نعم يستحق الشكر، ومع كل موقف مؤلم أو مصيبة شديدة نقول: «قدّر الله وما شاء فعل»، فننظر إلى الحياة بعين القناعة واليقين، وكما في المثل الشعبي: «من شاف بلاوي الناس هانت عليه بلوته».

اللهم ارزقنا قلوباً ترى عطاياك في كل حال، ونفوساً مطمئنةً بقضائك، راضيةً بحكمك، راجيةً رحمتك. اللهم اجعل لنا في كل محنةٍ منحة، وفي كل ضيقٍ فرجاً، وفي كل أمرٍ خيراً. اللهم آمين.

aaalsenan @