كيف باتت «المُعجزة البولندية» خريطة إنقاذ؟

صحوة جيوسياسية تُعيد تشكيل أوروبا اقتصادياً

22 يونيو 2026 10:00 م

- تراجع مُعدّلات البطالة لأقل من 3 في المئة لتُسجّل أدنى مُستوياتها أوروبياً
- الاستثمارات الأجنبية المُباشرة تتجاوز 310 مليارات دولار خلال عقدين

تشهد أوروبا صحوة جيوسياسية من شأنها إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي للقارة. فهل يمتلك الاتحاد الأوروبي الإرادة الكافية للتغيير؟ وهنا تشير التجارب السابقة إلى أن الإجابة نعم.

بهذه الكلمات بدأ وزير مالية بولندا أندريه دومانسكي، مقاله الذي نشره موقع صندوق النقد الدولي، حيث يقول: «في الأوقات العصيبة، يتعيّن أن نستلهم من ماضينا ما يُنير حاضرنا، وتبرز بولندا هنا لتُقدّم قصة نجاح ملهمة، فقد قفزت مستويات المعيشة لدينا بمعدل 3.6 مرة، حيث ارتفع نصيب الفرد من الدخل الحقيقي من 13,100 دولار 1990 إلى 47,100 دولار اليوم، ويتوقع أن ينمو الاقتصاد البولندي هذا العام بنسبة تقارب 4 في المئة، وهو أحد أسرع معدلات النمو بين أكبر الاقتصادات في الاتحاد الأوروبي».

ويضيف:«حدث الزلزال الجيوسياسي في بلادنا 1989، عندما انهار النظام الشيوعي واستعاد البولنديون حريتهم. ومع ذلك، عانى اقتصاد ما بعد الشيوعية كفاحاً مريراً أمام المنافسة الدولية، إذ كانت المصانع الصناعية الضخمة المملوكة للدولة تفتقر إلى الكفاءة، وكان نصيب الفرد من الدخل منخفضاً بشكل مأسوي، في حين تزايدت معدلات البطالة والتضخم، لتصبح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية مُزرية.

ورغم ذلك، حقّقت بولندا على مرّ السنين تقدّماً ثابتاً ومُبهراً لتصبح دولة ذات دخل مرتفع. ويعكس هذا النجاح كفاءة الإصلاحات الهيكلية والنظامية التي تم تنفيذها بدقة، ولكن الفضل يعود لعزيمة شعبنا وعمله الدؤوب. فمنذ 1989، نما الناتج المحلي الإجمالي البولندي 220 في المئة بالقيمة الحقيقية، وهبطت معدلات البطالة من خانة العشرات في تسعينيات القرن الماضي لأقل من 3 في المئة اليوم، وهي واحدة من أدنى المعدلات في الاتحاد الأوروبي».

ركائز النجاح

ويقول الوزير:«لم يُكتب للنجاح أن يتحقّق إلا لأن شعبنا كان مُؤهّلاً ومجتمعنا كان مشاركاً ومُتعطّشاً للتغيير. لقد استثمرت بولندا في رعاية مواهبها من خلال نظام تعليمي قوي واصل نموه المستمر؛ فإلى جانب الحفاظ على جودة التعليم الابتدائي والثانوي، وسعت بولندا قطاع التعليم العالي ليضم الآن أكثر من 350 جامعة وكلية».

وتحتل بولندا المرتبة 23 في مُؤشّر رأس المال البشري التابع للبنك الدولي، والمرتبة 24 في جداول «بين» العالمية لمُؤشّر رأس المال البشري، كما تُحقّق أداءً يفوق المعدل العام في البرنامج الدولي لتقييم الطلبة متجاوزةً متوسط الاتحاد الأوروبي في جميع هذه المقاييس. ويرفد التعليم القطاع الخاص بالمُتخصّصين، ويخلق قوى عاملة جديدة وكفؤة.

ولفت إلى أن الرمز الأبرز للتحوّل التنموي يظل الانضمام إلى المنظمات الدولية وتشمل منظمة التجارة العالمية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والأهم من ذلك، حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي.

ويُبيّن أن الانضمام إلى هذه المؤسسات أمَّن اندماج بولندا في المجتمع العابر للأطلسي، ما جذب الاستثمارات وسهّل نقل التكنولوجيا. وتُعدّ عضوية الاتحاد الأوروبي، مُحرّكاً رئيساً للتنمية، حيث مكّنت بولندا من سدّ الفجوات الاقتصادية عبر الاستفادة من السوق الموحدة وسياسات التلاحم الاقتصادي.

ويتابع المقال: «الدافع وراء النجاح البولندي كان الاستثمار والتوسّع السوقي القائم على التصدير. وعزّز موقفها القوي داخل المنظومة الغربية من جاذبيتها للاستثمارات الأجنبية المباشرة بشكل كبير، وبين 2004 و2023، جذبت بولندا أكثر من 310 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية، أي ما يقارب نصف الاستثمارات التي تدفّقت إلى الدول الثماني التي انضمت للاتحاد الأوروبي 2004. وتلعب هذه الاستثمارات الوافدة دوراً مزدوجاً: سد فجوة رأس المال في بولندا، وتسهيل نقل التكنولوجيا وخلق فرص العمل».

ويقول: «اندماج بولندا في آلية التقارب التابعة للاتحاد الأوروبي يُثبت صحة نظرية الميزة النسبية. فقد أتاح الوصول للسوق الموحدة للبلاد توسيع نطاق التجارة، والتخصص، وتعزيز الكفاءة الاقتصادية. ومنذ الانضمام للاتحاد الأوروبي، تضاعفت الصادرات البولندية من السلع والخدمات بمعدل 3.5 مرة تقريباً، وتطوّرت قدراتها التكنولوجية بثبات، إذ عززت ميزتها التنافسية في السلع ذات التقنية المتوسطة، وحقّقت فائضاً مُستمراً في صادرات الخدمات، مدفوعاً جزئياً بالمُتخصّصين العاملين في الشركات المحلية الناشئة والشركات مُتعدّدة الجنسيات على حدّ سواء».

ويُقدّر معهد الاقتصاد البولندي أن التكامل الأوروبي رفع الناتج المحلي الإجمالي لبولندا 40 في المئة مقارنة بسيناريو افتراضي يفترض عدم انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي قط.

ويضيف: «التعليم والتخصص ساهم في دفع القفزة الرقمية لبولندا؛ فكانت من أوائل المتبنين لأحدث التقنيات والبنية التحتية للشبكات مثل الإنترنت عالي السرعة. أما القطاع المالي، الذي طور أنظمة تكنولوجيا المعلومات بعد عقود من نظرائه الغربيين، فقفز مُباشرة إلى الحلول الحديثة دون أن تقيّده الأنظمة القديمة المُتهالكة. وتقود الدولة البولندية المسيرة الآن في رقمنة الخدمات العامة، حيث تقدّم الهويات الرقمية، وخدمات تقديم الإقرارات الضريبية المؤتمتة، والعديد من الخدمات الحكومية عبر الإنترنت».

تحدّيات جديدة

وحسب المقال فإنه ومع تقليص فجوة الدخل، تُواجه بولندا تحدّيات جديدة تشمل تحوّل الطاقة، وتطوير أسواق رأس المال، والارتقاء بالقدرات التكنولوجية. كما يتعيّن عليها توفير أمن أكبر نتيجة للغزو الروسي لأوكرانيا، ويمثل هذا تحوّلاً جذرياً عن السنوات الثلاثين الماضية، عندما كان النمو الاقتصادي في بولندا يستفيد من «عائد السلام» بالإضافة إلى قوتها الذاتية.

ومع تحول البلاد إلى قوة إقليمية كبرى، يتطوّر دور بولندا في الاتحاد الأوروبي أيضاً، إذ تنتقل من كونها متلقياً صافياً لأموال الاتحاد الأوروبي إلى تولّي دور مالي أكبر تدريجياً داخل ميزانية الاتحاد، مع المساهمة بفعالية في تشغيل السوق الموحدة عبر التجارة. تجاوزت بولندا الصين كسوق تصدير للمنتجات الألمانية، كما أن الصناعة البولندية باتت تمدّ أوروبا بأكملها بالسلع.

ويقول دومانسكي: «تحتاج أوروبا أولاً وقبل كل شيء إلى إلغاء القيود التنظيمية والاستفادة من وفورات الحجم. لقد حقّقت السوق الموحدة نجاحاً كبيراً –كما يتضح من أداء الصادرات البولندية المثير للإعجاب– لكنها لا تزال غير مكتملة».