في مشهد يُذكّر بانهيارات تاريخية كبرى، لا تتردد المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية في وصف ما يحدث بعبارات الفزع والاستنفار، ذلك أن توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب «عن بعد»، مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، في قصر فرساي، لم يُقرأ في تل أبيب كاتفاق ثنائي، بل كـ«إعلان تخلي» غربي يُحوّل إسرائيل إلى جزيرة معزولة في وجه «الجمهورية الإسلامية» بقوة.
التحليلات الإسرائيلية التي غطت الصحف العبرية لم تتحدث عن «تحدٍ»، بل عن «خطر وجودي» يعيد تشكيل ميزان الرعب في المنطقة.
«فشل ملحمي»
في مقال ناري بصحيفة «إسرائيل اليوم»، يصف البروفيسور آفي بارئيلي، المؤرخ في جامعة بن غوريون، حملة «الغضب الملحمي» ضد إيران بأنها لم تكن سوى «تأجيل مؤلم» لصراع مصيري.
ويرسم سيناريو مرعباً للمؤسسة الإسرائيلية، مؤكداً أن «السيف النووي والصاروخي» الذي رُفع موقتاً عن رقبة إسرائيل سيعود ليضغط عليها، داعياً إلى «مواجهة تاريخية لا ثاني لها، تنتهي بفناء أحد الطرفين».
لا يكتفي بارئيلي بالتحذير، بل يوجه سهامه إلى واشنطن وبروكسل، متّهماً إياهما بـ«التخلي عن الشجاعة» والانكفاء أمام «الإرهاب الانتحاري لإيران».
ويرى أن الغرب اختار «التعايش مع النظام الوحشي»، بل وذهب أبعد من ذلك بارتداعه عن مواجهة إيران في مضيق هرمز، ليس خوفاً على الدماء، بل خوفاً من «كساد اقتصادي».
ويستنتج بارئيلي، بصيغة تشبه التكفير السياسي: «الغرب تعفن وفقد شجاعته»، وعلى إسرائيل - وحدها - أن تستعد لمواجهة «الفزاعة الإيرانية» حتى لو أدى ذلك لصدام مع إدارة ترامب، ذاتها.
إخفاق إستراتيجي بامتياز
وفي تحليل نشرته منصة N12 بالتعاون مع معهد «Mind Israel»، يدق اللواء عاموس يدلين، الرئيس السابق للمخابرات العسكرية (أمان)، والعميد احتياط أودي أفنتال، نواقيس الخطر، معتبرين أن مذكرة فرساي ليست مجرد اتفاق، بل «إذعان أميركي مذل» يمنح إيران أوراقاً رابحة.
وبمفارقة تاريخية لاذعة، يشبهان توقيع الاتفاق في قصر فرساي بمعاهدة العام 1919، لكن هذه المرة «الولايات المتحدة في الجانب الخاسر».
ويرصدان بنوداً وصفت بـ«الكوابيس الإستراتيجية» التي تهدد أمن إسرائيل مباشرة:
- ربط الجبهات: مادة صريحة تربط مصير الحرب مع إيران بجبهة حزب الله، وكأنها «فخ قانوني» يقيّد يد إسرائيل في لبنان.
- التنازل النووي الصامت: الاتفاق لا يتحدث عن تجميد التخصيب، بل عن «تخفيف» اليورانيوم داخل إيران، وهو ما يُعتبر «إباحة ضمنية» لاستمرار سباق التخصيب.
- خط أنابيب الأموال: الإفراج الفوري عن 24 مليار دولار وبيع النفط، يمنح «الحرس الثوري» شريان حياة يعيد ضخ الدماء في جسد طهران المنهك.
ويحذر يدلين وأفنتال، من أن الاتفاق يمنح إيران نفوذاً إستراتيجياً خطيراً عبر «ورقة هرمز»، حيث تمتنع طهران عن تحصيل الرسوم 60 يوماً فقط، على أن تعود للمطالبة بـ«رسوم خدمات بحرية» لاحقاً، ما يمنحها حق النقض (الفيتو) على الملاحة العالمية. ويوصيان بتجريد إيران من هذه الورقة عبر بقاء أسطول بحري أميركي ضخم في المنطقة، وفرض حصار فوري على الموانئ الإيرانية في حال أي محاولة لإغلاق المضيق، وكأن المعركة القادمة هي معركة «خنق» وليس ردعا.
قبل فوات الأوان!
في سردية تحمل نبرة الاستجداء المُسلح، يخلص التقرير إلى أن إسرائيل بحاجة ماسة لـ«إعادة التنسيق الإستراتيجي» مع واشنطن، ليس كحليف، بل كـ«غطاء ناري» يضمن بقاءها. وتشمل التوصيات:
- تفعيل فريق عمل مشترك لوضع «خطط استجابة طارئة» لسيناريو الانهيار.
- وضع معايير جديدة للاتفاق مع إيران، مع وقف سياسة «الرفض القاطع» التي عززت العزلة الإسرائيلية.
- تسريع وتيرة إعادة تجهيز الجيش الإسرائيلي بأسلحة نوعية لمواجهة القادم.
«جبهة الفزع» القريبة
وينتقل القلق الإسرائيلي إلى جبهة لبنان، حيث يُقر المحللون بأن حزب الله، رغم الضعف النسبي، لايزال يمتلك قدرة مرعبة على إطلاق أكثر من 100 صاروخ في رشقة واحدة، مع كفاءات متقدمة في الطائرات المسيرة والصواريخ المضادة للدروع.
ويحذر بارئيلي، من أن سلسلة الجبال في جنوب لبنان قد تتحول إلى «حاضنة للصواريخ» إذا ترددت إسرائيل في الإبقاء على وجودها العسكري هناك، مطالباً قادة المعارضة (بينيت، غولان، آيزنكوت) بإعلان موقفهم من «حرب الاستنزاف» قبل أن تتحول الانتخابات إلى استفتاء على البقاء.
يستخلص من مجمل التحليلات الإسرائيلية أن إسرائيل لم تعد تواجه «تهديداً»، بل تعيش في «قفص رعب» إستراتيجي. الإنجازات التكتيكية التي تحققت تُعتبر مجرد «مسكنات» في مواجهة مشروع إيراني يُوصف بأنه «إبادي».
بينما تزداد عزلة إسرائيل غربياً، ويبدو الغرب «متعفناً» في عيون جنرالاتها، يظل السؤال الأعنف مطروحاً على طاولة صنع القرار في تل أبيب:
هل تجرؤ إسرائيل على خوض حرب إقليمية منفردة، وهي التي ترتجف من صفقة فرساي وترى في كل زاوية «وحشاً» يستعد للانقضاض، أم أنها ستظل أسيرة لحسابات أميركية تخشى الركود الاقتصادي؟
تبدو إسرائيل اليوم وكأنها تنظر إلى المنطقة من خلف «زجاج مكسور»، ترى فيه انعكاساً مشوهاً لقوتها، وتقرأ فيه سردية جديدة لا تتحدث عن نصر، بل عن «محاولة نجاة»، باتت تملأ عناوين صحفها ومحطات تحليلها، وتهزّ ثقة مؤسستها الأمنية.