«فخ إستراتيجي متعدد الساحات» تغرق فيه إسرائيل

21 يونيو 2026 10:00 م

- السجال بين نتنياهو وترامب: شرخ إستراتيجي يهدد مستقبل التحالف
- بن غفير: لكل دمعة أم إسرائيلية يجب أن تبكي ألف أم لبنانية... كل لبنان يجب أن يحترق!
- 41 في المئة من الإسرائيليين يعتقدون أن أمن بلادهم يشكل اعتباراً مركزياً لترامب مقارنة بـ64 في المئة في مارس
- 70 في المئة من الإسرائيليين اليهود يؤيدون تكثيف القتال ضد«حزب الله»

في تطور غير مسبوق للعلاقات بين واشنطن وتل أبيب، تحولت العلاقة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب، من تحالف إستراتيجي وثيق إلى مواجهة علنية تعكس أزمة ثقة عميقة، في مشهد يصفه المراقبون بأنه أخطر شرخ في تاريخ التحالف بين البلدين.

تأتي هذه الموجة من التصعيد على خلفية توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، والتي وضعت إسرائيل في مواجهة مباشرة مع أقوى حلفائها، وسط مخاوف من أن تؤدي السياسات الإسرائيلية في لبنان إلى انهيار الاتفاق بالكامل.

لبنان: ساحة المواجهة المفتوحة

تشير التحليلات الاستخباراتية إلى أن إسرائيل «من المرجح» أن تتخذ إجراءات لتقويض اتفاق ترامب، مع إيران، مستخدمة لبنان كورقة ضغط رئيسية، وفقاً لما نقلته وكالة «بلومبيرغ» عن مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى.

فقد أوضحت أجهزة الاستخبارات الأميركية لإدارة ترامب أن نتنياهو، في مواجهة انتخابات الخريف المقبلة، يربط بقاءه السياسي بإظهار عدم تراجعه عن التواجد العسكري في جنوب لبنان.

وفي السياق، يكتب ميخائيل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان - جامعة تل أبيب ومؤلف كتاب «جيل الطوفان»، في مقال افتتاحي بصحيفة «يديعوت أحرونوت» أن إسرائيل تعيش تقلبات حادة في التوقعات، من نشوة تحقيق ضربات إستراتيجية إلى هاوية تمكن إيران من التوصل إلى اتفاق يرضيها وتطور أزمة خطيرة مع الولايات المتحدة وعزلة إقليمية ودولية، واصفاً الوضع بأنه «فخ إستراتيجي متعدد الساحات» تغرق فيه إسرائيل.

وتبرز أهمية لبنان في المعادلة الجديدة، حيث تنص المذكرة على «وقف فوري» للقتال في كل الجبهات، بما في ذلك لبنان، وتطالب الأطراف بضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته. لكن القوات الإسرائيلية تواصل عملياتها في منطقة أعلنتها «منطقة دفاعية» تمتد لأكثر من 600 كيلومتر مربع وتضم نحو 60 قرية، وهو ما تعتبره إيران و«حزب الله» احتلالاً ممنهجاً.

حرب التصريحات والاتهامات المتبادلة

بلغ السجال بين القيادتين ذروته الأسبوع الماضي، مع سلسلة من التصريحات النارية التي تعكس عمق الأزمة. ففي مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، قال نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، إن «ترامب، هو رئيس الدولة الوحيد في العالم المتعاطف مع إسرائيل في هذه اللحظة»، محذراً القيادة الإسرائيلية من مهاجمة «الحليف القوي الوحيد المتبقي لها في العالم».

ووصف صراع إسرائيل مع «حزب الله» بأنه يتطلب حلولاً دبلوماسية، قائلاً «لا يمكنكم استخدام القتل طريقكم للخروج من كل مشكلة أمن قومي».

أما ترامب، فنقلت صحيفة «نيويورك تايمز» وصفه لنتنياهو، خلال مكالمة هاتفية بأنه «مجنون» بعد تنفيذ إسرائيل ضربات في لبنان تزامنت مع مفاوضاته مع إيران.

وقال في تصريحات نقلها موقع «أكسيوس»: «لماذا قام بيبي بشن هجوم لعين؟ كنت غاضباً جداً، لقد أخبرته بذلك، ليس لديه أي حكم».

وفي تصريح آخر من قمة السبع في فرنسا، أعلن ترامب «لدينا خلاف بسيط حول لبنان. أقول: يمكنك أن تكون أكثر لطفاً قليلاً يا بيبي. لا داعي لهدم مبنى كلما دخل إليه شخص من حزب الله».

أبعاد سياسية داخلية ودولية

يرى محللون أن نتنياهو، يجد نفسه محاصراً بين ضغوط متضاربة. من جهة، يواجه ضغوطاً من حلفائه في اليمين المتطرف، حيث صرح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير «لكل دمعة أم إسرائيلية، يجب أن تبكي ألف أم لبنانية. كل لبنان يجب أن يحترق!».

ومن جهة أخرى، يواجه موجة انتقادات من المعارضة ووسط اليسار الإسرائيلي.

وتشير استطلاعات الرأي إلى تراجع حاد في الثقة بالعلاقة مع واشنطن. فقد أظهر استطلاع للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية أن 41 في المئة فقط من الإسرائيليين اليهود يعتقدون أن الأمن الإسرائيلي يشكل اعتباراً مركزياً لترامب، مقارنة بـ64 في المئة في مارس الماضي. كما أظهر استطلاع أجراه معهد دراسات الأمن القومي أن 70 في المئة من الإسرائيليين اليهود يؤيدون تكثيف القتال ضد «حزب الله».

إيران والانقسام

تمثل طهران المستفيد الأكبر من هذا الشرخ الإستراتيجي. فقد أعلنت إعادة إغلاق مضيق هرمز رداً على العمليات الإسرائيلية في لبنان، في خطوة تصعيدية تعكس ثقتها في قدرتها على الضغط على إدارة ترامب.

وتفيد التقارير بأن طهران لا تنوي تقديم أي تنازلات لإسرائيل، وأنها تعتزم استغلال كل ثغرة في مذكرة التفاهم لصالحها.

وتشير المعلومات إلى أن الانقسام داخل القيادة الإيرانية حول الاتفاق يشتد بين التيارات المحافظة والمتطرفة. ورغم توقيع مذكرة التفاهم واستئناف المفاوضات، فإن الخلاف السياسي والعسكري داخل إيران مازال قائماً، مع تركيز النقاش على مستقبل البرنامج النووي والصواريخ البالستية التي تعتبرها طهران غير قابلة للتفاوض.

هل من مخرج؟

يرى المحللون أن خيارات إسرائيل محدودة للغاية. فهي إما أن تلتزم الاتفاق وتنسحب تدريجياً من لبنان، مما قد يفسر كاعتراف بالهزيمة أمام إيران، وإما تستمر في العمليات العسكرية وتخاطر بشرخ لا يمكن إصلاحه مع واشنطن.

ويؤكد المحلل السياسي عزرون بريغمان، من كينغز كوليدج لندن أن «نتنياهو سيفعل كل ما بوسعه لعرقلة الاتفاق، إن لم يكن الآن ففي الأسابيع والأشهر المقبلة، وأداته ستكون لبنان».

وتشير المصادر إلى أن إسرائيل قد تحاول استخدام فترة الـ60 يوماً للتفاوض على اتفاق نهائي للضغط على واشنطن للحصول على تنازلات في الملف النووي ولبنان. لكن مع تصاعد حدة التصريحات المتبادلة والتوتر على الحدود اللبنانية، يبدو أن طريق الحل أصبح أكثر وعورة.