نتنياهو يتأرجح... وواشنطن تراهن على المعارضة الإسرائيلية!

20 يونيو 2026 10:00 م

- قراءة في التحول الأميركي وحظوظ المعارضة الإسرائيلية في انتخابات أكتوبر 2026
- من «تمرد نتنياهو» على اتفاق ترامب إلى «قنوات سرية» مع بينيت وأيزنكوت
- المشهد يتجه نحو انفراجة سياسية أم مواجهة مفتوحة بين الحليفين؟

في تطور غير مسبوق يعكس تحولاً جوهرياً في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، كشفت مصادر أميركية وإسرائيلية موثوقة عن تحركات أميركية مكثفة لبناء قنوات اتصال غير رسمية مع شخصيات بارزة في المعارضة الإسرائيلية، على خلفية تصاعد التوتر بين إدارة الرئيس دونالد ترامب، وحكومة بنيامين نتنياهو، إثر «تمرد» الأخير ووزراء اليمين المتطرف على اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران الذي وقعه ترامب.

وتزامناً مع هذه التطورات الدبلوماسية، تُظهر أحدث استطلاعات الرأي في إسرائيل مشهداً سياسياً متغيراً لصالح المعارضة، حيث ترتفع حظوظ تشكيل حكومة بديلة بقيادة رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت، ورئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت، في وقت يعاني فيه الليكود من تراجع مستمر في التأييد الشعبي، مع بقاء العقبة الأساسية متمثلة في بلوغ كتلة المعارضة عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل الحكومة.

ووفقاً لتقرير استقصائي للقناة الـ 12 الإسرائيلية، فإن «الوضع كان معكوساً خلال الفترة الماضية، إذ سعت المعارضة إلى بناء علاقات مع الإدارة الأميركية، وحققت نجاحاً محدوداً مع مسؤولين يتحفظون على نتنياهو، من دون تحقيق اختراق مماثل لدى المسؤولين المقربين منه».

أما الآن، فتقود جهات في الإدارة الأميركية، كانت تُعتبر شديدة القرب من نتنياهو، عملية فتح قنوات تواصل غير رسمية مع أقطاب المعارضة، وفي مقدمهم أيزنكوت وبينيت، على خلفية تقديرات في واشنطن تشير إلى وجود «احتمال لا يُستهان به لتغيير الحكومة في إسرائيل».

ويُعد هذا التحول مؤشراً إستراتيجياً بالغ الأهمية، إذ يعكس أن الإدارة الأميركية لم تعد تراهن على الحكومة الحالية فقط، بل تعمل على توسيع شبكة علاقاتها مع جميع الأطراف الإسرائيلية الفاعلة، استعداداً لمرحلة ما بعد الحرب.

خلفيات التمرد الإسرائيلي

وتأتي هذه التطورات في أعقاب توقيع مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، التي تنص على وقف دائم للعمليات العسكرية في لبنان وفتح قنوات حوار لتسوية الملف النووي الإيراني.

ورغم أن الاتفاق يحظى بدعم ترامب، الذي وصفه بأنه «فرصة للسلام»، إلا أن الحكومة الإسرائيلية أبدت موقفاً متصلباً، حيث أكد نتنياهو، أن القوات الإسرائيلية «لن تنسحب من المنطقة الأمنية في جنوب لبنان طالما تستدعي احتياجات الأمن الإسرائيلية ذلك».

ووصفت مصادر إسرائيلية رفيعة المستوى المفاوضات مع واشنطن في شأن الانسحاب من لبنان بأنها «عنيدة»، فيما كشفت القناة الـ12 أن إسرائيل طلبت من الولايات المتحدة الاطلاع على تفاصيل مذكرة التفاهم مع إيران، لكنها قوبلت بالرفض.

وفي تصعيد لافت، خرج نائب الرئيس جاي دي فانس، بتصريحات انتقد فيها وزراء في الحكومة الإسرائيلية، واصفاً إسرائيل بأنها «معزولة دولياً»، ومذكّراً بأن «ترامب، هو الرئيس الوحيد في العالم المتعاطف مع إسرائيل حالياً»، مضيفاً أن إسرائيل تدافع عن نفسها بأسلحة يدفع ثمنها دافعو الضرائب الأميركيون.

جاءت هذه التصريحات بعد أن صرّح وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، بأن إسرائيل «ليست ملزمة» باتفاق ترامب، مع إيران، في تحدٍ واضح لسياسة الإدارة الأميركية.

وترى جهات في الإدارة الأميركية أن «مرحلة ما بعد انتهاء الحرب قد تتيح فرصاً سياسية لتحقيق أهداف يسعى إليها ترامب، لكنها تعتقد أن تحقيق بعض هذه الأهداف يواجه صعوبات في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية»، في ظل ما وصفه التقرير الإسرائيلي بـ «أزمة ثقة وتباينات متزايدة» بين واشنطن وتل أبيب.

ومع ذلك، شدد التقرير على أن ترامب «لا ينقل دعمه السياسي في الوقت الراهن من نتنياهو، إلى أي شخصية أخرى»، لكنه أشار إلى وجود توجه داخل الإدارة الأميركية لبناء علاقات ثقة وقنوات اتصال إضافية مع أطراف إسرائيلية مختلفة.

استطلاعات الرأي

تُظهر أحدث استطلاعات الرأي في إسرائيل مشهداً سياسياً متغيراً، حيث تتمتع أحزاب المعارضة بفرصة حقيقية لتشكيل الحكومة المقبلة، في وقت يعاني فيه حزب الليكود بزعامة نتنياهو، من تراجع مستمر في التأييد الشعبي.

وفقاً لاستطلاع أجراه معهد «لازار» للأبحاث بالتعاون مع صحيفة «معاريف» بين 17 - 18 يونيو 2026، فإن كتلة المعارضة الصهيونية تحقق 61 مقعداً من أصل 120 في الكنيست، وهو العدد الأدنى المطلوب لتشكيل حكومة، مقابل 49 مقعداً فقط للكتلة الحكومية الحالية، و10 مقاعد للقوائم العربية.

الليكود في تراجع مستمر

يسجل حزب الليكود أضعف مستوى له منذ أغسطس 2025، حيث فقد 7 مقاعد في الاستطلاعات الأخيرة ليصل إلى 21 - 23 وفق تقديرات مختلفة. ويعزو المحللون هذا التراجع إلى تداعيات الحرب مع إيران وأزمة الثقة المتصاعدة مع الإدارة الأميركية، حيث أبدى 49 في المئة من الإسرائيليين قلقهم من التصدع في العلاقات مع واشنطن.

صعود أيزنكوت كمنافس قوي

يبرز حزب «يشار» (معاً) بقيادة أيزنكوت، كأبرز المستفيدين من تراجع الليكود، حيث يتعادل معه بـ 21 مقعداً في استطلاع «معاريف»، وقد وصل إلى 23 مقعداً في استطلاع «زمان إسرائيل» الصادر عن موقع «تايمز أوف إسرائيل».

وفي استطلاع أجرته هيئة البث العامة «كان»، فضّل 32 في المئة من المستجيبين أيزنكوت، كزعيم لكتلة المعارضة، مقابل 22 في المئة لبينيت، ما يعكس تحولاً في المزاج العام نحو الشخصية العسكرية.

تراجع تحالف بينيت - لابيد

شهد حزب «يحد» (معاً) الذي يجمع بين بينيت، ويائير لابيد، تراجعاً ملحوظاً، حيث خسر 11 مقعداً منذ الإعلان عن التحالف في أبريل الماضي، ليصل إلى 17 - 19 مقعداً حالياً. ويعكس هذا التراجع صعوبة استمرار الزخم السياسي للتحالف الذي نجح عام 2021 في إطاحة نتنياهو، موقتاً.

أحزاب اليمين المتطرف

يعبر حزب «الصهيونية الدينية» بزعامة بتسلئيل سموتريتش، عتبة الانتخاب في بعض الاستطلاعات بأربعة مقاعد، لكنه لايزال على حافة الهاوية في استطلاعات أخرى. أما حزب «عوتسما يهوديت» بزعامة إيتمار بن غفير، فيحقق 9 مقاعد، فيما تسجل الأحزاب الحريدية (شاس ويهدوت هتوراه) استقراراً نسبياً عند 8 - 10 مقاعد.

الوصول إلى 61 مقعداً

تكشف الاستطلاعات أن كتلة المعارضة الصهيونية تحصل على 57 - 59 مقعداً وفق معظم التقديرات، أي أنها لاتزال بحاجة إلى 2 - 4 مقاعد إضافية لتشكيل حكومة. وهنا يبرز الدور المحوري للقوائم العربية:

سيناريو دعم عربي داخلي: إذا حصلت المعارضة على دعم حزب «رعام» (5 مقاعد) بزعامة منصور عباس، فقد تتمكن من تشكيل حكومة، لكن بينيت، أعلن رفضه صراحة لهذا الخيار بعد هجمات 7 أكتوبر 2023.

سيناريو القائمة العربية الموحدة: في حال توحدت الأحزاب العربية في قائمة واحدة، قد ترتفع تمثيلتها إلى 15 - 17 مقعداً، ما قد يغير حسابات الائتلاف بشكل جذري ويعقّد وصول أي كتلة إلى 61 مقعداً.

الأفضلية لرئاسة الوزراء

رغم تراجع حزبه، لايزال نتنياهو، يحتفظ بتفوق شخصي على منافسيه في استطلاعات «الأفضلية لرئاسة الوزراء»، حيث حصل على 41 في المئة مقابل 33 في المئة لأيزنكوت، بينما رأى 26 في المئة أن لا أياً منهما مناسب. وهذا يشير إلى أن التصويت في إسرائيل لايزال يتأثر بالشخصيات السياسية بقدر تأثره بالانتماءات الحزبية.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

تشير المعطيات الراهنة إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة:

- تغيير الحكومة لصالح المعارضة

إذا حافظت المعارضة على زخمها وتمكنت من حل معضلة الـ61 مقعداً، سواء عبر اختراق إضافي أو عبر تسوية مع القوائم العربية، فقد نشهد حكومة جديدة بقيادة أيزنكوت، أو بينيت، وهو السيناريو الذي تستعد له واشنطن عبر توسيع قنوات الاتصال مع هذه الشخصيات.

- الجمود السياسي

إذا فشلت المعارضة في بلوغ 61 مقعداً وعجز نتنياهو، عن تشكيل ائتلاف مستقر، فقد ندخل في أزمة سياسية طويلة قد تؤدي إلى انتخابات مبكرة مجدداً، ما يطيل أمد حالة عدم الاستقرار في إسرائيل.

ظهور لاعب جديد من صفوف الليكود

يُطرح في الأوساط السياسية الإسرائيلية سيناريو ظهور حزب جديد بقيادة شخصيات من الليكود السابقين، مثل جلعاد إردان، الذي قد يجذب 5 - 7 مقاعد من الناخبين اليمينيين المحبطين، ما قد يغيّر المعادلة الانتخابية بشكل كبير ويجعل هذا الحزب «صانع الملوك» في تشكيل الحكومة المقبلة.

- إعادة رسم العلاقات

يبدو أن المشهد السياسي بين واشنطن وتل أبيب يشهد تحولاً إستراتيجياً مع اقتراب موعد الانتخابات، تزداد أهمية هذه التحركات التي قد تعيد رسم خريطة العلاقات بين الحليفين التاريخيين في مرحلة ما بعد الحرب، في مشهد يحمل في طياته فرصاً جديدة وتحديات كبيرة على الساحة الإسرائيلية والإقليمية.