يصادف اليوم ذكرى ولادة الفنان العربي المبدع عبدالحليم حافظ، الذي أبصر النور في جمهورية مصر العربية في الحادي والعشرين من شهر يونيو عام 1929م، وتوفي في سن مبكرة حيث لم يبلغ حينها إلا 47 عاماً بعد صراع طويل مع المرض بتاريخ ثلاثين من شهر مارس عام 1977م في العاصمة البريطانية لندن.
ولم تكن طفولته طبيعية، فقدَ والدته بعد أيام من ولادته ثم توفي والده قبل أن يكمل عامه الأول، فتكفل به خاله، بل انه اضطر إلى أن يعيش فترة في ملجأ وكان ينام بالسرير الذي يلاصق سريره الشاعر أحمد فؤاد نجم، الذي انتقده كثيراً لأنه لم يعد يتذكره بعد أن أصبح غنياً ومشهوراً.
وعلى الرغم من أن موهبته قد صقلت بدراسة الموسيقى بمعهد الموسيقى العربية، إلا أنه لم يجد طريق النجاح بسيطاً فقد رفضه الشارع المصري كثيراً في بداية محاولاته رغم أنه قدم أكثر من أغنية لم يكتب لها النجاح، وبعد تخرجه عمل مدرساً للموسيقى في أكثر من محافظة فتبع حلمه بإصرار وراح يشارك في مسابقات موسيقية ولم يحقق أي تقدم بل ان لجنة اختبار الأصوات في الإذاعة المصرية رفضت اعتماده كمطرب، وقالوا إنه لا يصلح للغناء لكنه لم ييأس وراح يلحق حلمه إلى أن وجد فرصته وتم اعتماده كمطرب في الإذاعة المصرية عام 1951م.
وقدم بعض الأغنيات التي لم تحقق إلا انتشاراً محدوداً إلى أن قدم أغنية «على قد الشوق» عام 1954م، كلمات الشاعر محمد علي أحمد، تلحين كمال الطويل، الذي قدم له أغنيتين لم تجدا النجاح، إلا أنه هذه المرة استطاع تسليط الضوء على موهبته ثم توالت مسيرته وراح يسلك طريقاً غنائياً غير مألوف من قبل، إلى أن أطلق عليه لقب «مطرب الشباب»، واستطاع أن يصنع اسمه رغم أن هناك عمالقة سبقوه منذ سنوات، أمثال أم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد عبدالوهاب، الذي أصبح صديقاً مقرّباً له بل إنهما اشتركا معاً في شركة إنتاج فني.
ولأنه من الصعب أن يتم فصل الفن عن السياسة فقد وجد نفسه في دائرة اهتمام السلطة أيام الرئيس جمال عبدالناصر، فكانت هناك فائدة للطرفين فهو يغني للنظام وبالمقابل يجد الدعم الكبير من قبل السلطة ووزارة الإعلام خصوصاً وقت الحروب التي شاركت بها مصر. كما أنه وجد عروضاً مغرية ليصبح ممثلاً، وحبذا لو أنه تفرّغ للغناء إلا أن المطربين العمالقة الذين سبقوه قاموا بالتمثيل.
ولا يمكن أن نحدد أفضل أغنياته التي أبدعها مع مجموعة من الشعراء والملحنين إلا أنني شخصياً أحب أغنية «قارئة الفنجان» التي كتبها الشاعر نزار قباني، ولحّنها الموسيقار محمد الموجي، وقد أثيرت ضجة كبيرة حولها في وقتها والتي أرى أنها من أفضل الأغاني العربية.
وقد زار عبدالحليم حافظ، العديد من الدول العربية ومنها الكويت وأحيا الكثير من الحفلات في مسرح الأندلس وبعض الجلسات الخاصة، بل إنني أتذكر إبداعاته مع الفنان عبدالحميد السيد، حين غنى أغنية «يا هلي» حيث استطاع حفظ اللحن بذكائه بل إنه قام بنطق مفردات الأغنية رغم أنها باللهجة الكويتية التي لم يعتدها من قبل، وكان ذلك في عام 1965م، حين غنى أغنية «يا هلي» إلا أن ذكاءه الكبير لعب دوراً في نجاحه، وقام بارتداء الدشداشة والغترة والعقال وتم تصوير الأغنية تلفزيونياً وما زالت تحصد النجاحات رغم مرور أكثر من نصف قرن من الزمن، بل إنه قام بغناء أغنية وطنية بمناسبة العيد الوطني الكويتي. كما قدم أغنية أخرى ناهيك عن بعض الجلسات الخاصة في الكويت والقاهرة كما ذكر الفنان الراحل عوض دوخي، في لقاء سابق له حيث أعجب بعزفه على العود.
وأذكر أنه تم تكريمي في القاهرة قبل ربع قرن من الزمن من قبل صالون الدكتور غازي عوض الله، وكان من بين المكرمين الشاعر محمد حمزة، الذي كتب بعض أشهر أغاني عبدالحليم حافظ، مثل «سواح- - زي الهوى- موعود» فعبرت له عن إعجابي بتلك الأغاني وتبادلنا الحديث عن بعض القضايا الفنية المتعلقة بالغناء العربي بشكل عام والأغنية المصرية بشكل خاص، وكان الدكتور غازي عوض الله، ناقداً مرموقاً فهو صحافي يمتلك معلومات ثقافية وفنية كثيرة.
وعندما توفي الفنان عبدالحليم حافظ، في الثلاثين من شهر مارس من عام 1977م، في بريطانيا بعد صراع طويل مع المرض ترك فراغاً كبيراً كان سبباً في هبوط مستوى الأغنية المصرية الطربية، بل إن وفاته كان لها الأثر الكبير لدرجة أن هناك من انتحر بسبب وفاة هذا الفنان الذي ما زالت تنبض إبداعاته ضمن أفضل مطربي الغناء العربي.
همسة:
رحل عبدالحليم حافظ، وما زالت إبداعاته ترددها الأجيال.