قيم ومبادئ

تبرّع مجهول المصدر؟

18 يونيو 2026 10:00 م

هذا النوع من التبرع الذي يكتب بصيغة (فاعل خير) هو الذي نعني به (الخبيئة الصّالحة) وهي طاعة أو عمل صالح يؤديه العبد سِراً في خلوته لوجه الله، لا يعلم به أحد ولا يبتغي به إلّا وجه الله، وقد حث عليها النبي، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، بقوله (من استطاع منكم أن يكون له خَبْءٌ من عمل صالح فليفعل)، فلماذا لا يكثر بيننا هؤلاء المحسنون وهذه أبواب الخيرات مشرعة من كل صوب؟ والفقراء في كل ناحية وأين الرحمة التي أودعها الله في قلوب عباده المؤمنين، والراحمون يرحمهم الرحمن، وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء؟

وليس يمنعني من الشك في صفة الرحمة التي توقف بها هذه (الأوقاف) المحبوسة على سبيل الخير في (حواضر العالم الإسلامي) مثل دمشق، قرطبة، القيروان، بغداد، الفسطاط، إشبيلية، غرناطة، طليطلة، إسطنبول، القاهرة وسراييفو على سبيل المثال على كثرتها فتجد بعضها ليس من نتاج البر والرحمة ولكنه من نتاج القسوة، وهذه (التركات) التي يوصي بها تاركوها للفقراء والمساكين وهذه (الكفارات والنذور والأثلاث) فإنها صدقات لا تدل أحياناً على عطف كبير ورحمة صحيحة.

ولو بحثنا في بعضها لعلمنا أن واقفيها كانوا من أقسىٰ خلق الله قلوباً وأشدهم عبثاً ونهباً للأموال... ومنهم من قضى حياته في ابتزاز أرزاق الفقراء حتى إذا أدبرت أيامه وحانت منيته ظنّ أنه مكفّر عن خطاياه بمسجد يبنيه للعبادة، أو تكية يفتحها للأيتام، أو ضريح يشيّده من أضرحة الأولياء لحفلات الزوّار؟... تقرّباً إلى الله والتماساً لرضاه وخوفاً من عقابه، فهو يُرضي الله على الطريقة التي كان يُرضي بها رؤساءه حين يقدم عليهم وهو أن يرشوهم ببعض ما ارتشىٰ به ويهدي إليهم بعض ما أُهدي إليه!

فما هذه بصدقات ولكنها آفات ورشىٰ مستورة وثمن لما يرجوه باذلوها من المغفرة والمثوبة وقربان منهم لوجه الله...

ومن ذا الذي لا يتقرّب إلى الله وهو وافد عليه ومقبل على عقابه وثوابه!

فكثير من الأوقاف قد تبدّلت عما وضعت لأجله، والدليل على ذلك أنها قلّت حين قلّ القساة وكسدت سوقها حين كسدت سوق الرشىٰ والهدايا... وداخل القلوب الشك في أجر هذه الأوقاف والصدقات، لأن الله طيّب ولا يقبل إلّا طيباً، قال تعالى «ولا تيمّموا الخبيثَ منه تُنفقون»، فالله تعالى غنيٌ عنكم وعن نفع صدقاتكم وأعمالكم عائد عليكم، فلو كانوا ينفقونها على الفقراء رحمةً بهم وحَدْباً عليهم لما قلّت وذهبت بركتها والفقراء اليوم مازالوا كثيرين والبلاد على وفرتها وغناها القديم!

على أنني لا أحب أن أسترسل في هذا الخيال ولا أرتاح إلى الشك الطارئ في صفة الرحمة التي اتصف بها المسلمون... وأريد أن أقول إنّ قلة الأعمال الكبرى التي يقصد بها النفع العام والإحسان إلى الجماهير لا تتخذ حجة قاطعة على قسوة القلوب وغلظة الطباع والأقرب في حالتنا هذه أن تكون آتية من غلبة الرحمة الشخصية على نفوسنا، وندرة تلك الرحمة التي ترتبط بالمصالح العامة والناتج القومي والاستقرار المجتمعي.

وأعني بالرحمة الشخصية هذه العاطفة الجياشة التي تعطف قلوب الناس على الأشخاص البائسين والمنكوبين حين نراهم في بأسهم وآلامهم أو حين تتمثل لك مصائبهم وشكاواهم... فنحن نطعم الجائع ونكسو العاري ونلبي نداء المستغيث ونرثي الباكي الحزين، وتبعث الرحمة من حنايا قلوبنا حين نرى الأطفال يلعبون بين ركام بيوتهم! حيث تنبعث الدموع إلى عيوننا بغير اختيارنا وعلى غير قصد منّا؟ ولكننا لا نرحم الرحمة التي تأتي عن فكر وحكمة لأننا لم نتعود العمل المجتمعي إلا من زمن قريب... ولم نفكر في خير الأمة ورفاهيتها إلّا بعد انقضاء الفساد!

ورجوع الأمر إلى الدولة رويداً رويداً في هذا العصر الحديث. وكيف كان يسعنا أن نفكر في خير الأمة وليس لنا من أمرها كثير ولا قليل! ونفوسنا في (العمل الخيري) ولا هي شاعرة بوجودها عارفة بما يجب لها وما يجب عليها؟ فربما كان هذا سبباً من أسباب الانصراف عن إسداء البر عن طريق التعليم أو تحسين مستوى المعيشة أو تقويم الأخلاق وتصحيح العقيدة ومحاربة الفساد والأمراض لا الجحود في العاطفة وصلابة الشعور، كما قد يُظن للوهلة الأولى... ولو أننا تعودنا أن نعالج شؤون المجتمع وننظر في آفاته الداخلية ومصائبه ونتمثل شقاء أفراده.

أو لو أن مناظر هذا الشقاء تبرز في صورة شخصية محسوسة لما بخلنا عليها بالمال الكثير والجهد العظيم، ولسبقنا في ذلك جميع الأمم التي نود أن نقتدي بها في الرأفة بالمساكين والعناية بالضعفاء.

فهل وصلت الرسالة؟