مع العدّ التنازلي لمَراسم توقيع مذكّرة التفاهم الأميركية - الإيرانية في سويسرا، انشدّتْ أنظارُ بيروت إلى ما بعد هذا التطور المفصلي الذي سيُرْسي مرحلة انتقالية شديدة الأهمية على جبهة إيران، ويَسعى لبنان للتكيّف معها بحيث لا يَدفع في السِلم ثمناً سياسياً أكثر فداحة مما تكّبده على المستوى العسكري جراء رَبْطِ الساحتيْن بالنار، وذلك بفعل إصرار طهران على «وحدة المسار والمصير» بين البلدين.
ويسود تَرَقُّبٌ ثقيلٌ لانقشاعِ الرؤية بإزاء المَضمونِ الرسمي لمذكرة التفاهم الذي يَبرز تَقاطُعٌ أميركي - إيراني على إبقائه حتى الآن بصيغة «الحِبر السِري»، كما الترجمة التي يُفترض أن تبدأ لبنودها وخصوصاً، بالنسبة الى لبنان، لجهة كيفية تطبيق التزام الأطراف المعنية وقْف القتال على الجبهات كافة، واتضاح أين يَقع عنوان انسحابِ اسرائيل من الجنوب في مَسارِ «اللا حرب واللا سلم».
وعلى وقع معاودة واشنطن، رسْم معادلة «تنفيذ إيران لمذكرة التفاهم وإلا العودة إلى القصف»، بدا أن انسحابَ اسرائيل من لبنان تَراجَعَ في مواقف المسؤولين الإيرانيين لمصلحة ضرورةِ وقْف تل أبيب اعتداءاتها المستمرّة في الجنوب، من دون أن يُعرف إذا كان الأمر في سياقِ إقرارٍ من طهران بصعوبةِ تَصَوُّر أن تسلّم الدولة العبرية - «المصدومة» من كيفية إدارة دونالد ترامب مرحلة الاتفاق الإطاري ومضامينه - بأن تتنازل لها في «بلاد الأرز» ومن حيث المبدأ في مسألةٍ ذات طبيعة فوق عادية بالنسبة لها، وهي الخروج من المناطق التي احتلّتْها ومع فصْل ذلك عن قضية نزْع سلاح «حزب الله»، ناهيك عن أن مثل هذه الخطوة «النهائية» ستكون فيما «الملف الأم» أي إيران ما زال يقيم على أرضٍ متحرّكة ومفتوحة على كل الاحتمالات.
وفي وقت تحدّثتْ صحيفة «هآرتس» عن أن تقديرات الجيش «أنه قد يضطرّ إلى الانسحاب للخط الأصفر جنوب لبنان»، في موازاة ما نقلتْه «معاريف» عن أنه «في جيش الدفاع يَفهمون أنهم لن يتراجعوا في لبنان، وفي قيادة المنطقة الشمالية يتحدثون عن منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات وهي منطقة يسيطر عليها الجيش اليوم»، سيتّضح مع توقيع المذكرة الخيطُ الأبيض من الأسود في ما خص إصرار طهران على الانسحاب ولو التدريجي الذي يَنتهي مع مهلة الـ 60 يوماً من المفاوضات المعمّقة، وهل تعلّق إيران مجمل مسارها من أجل هذا العنوان كما فعلتْ في وقْف النار، وذلك في معرض تمسُّكها بسَحْبِ ورقة لبنان من على طاولة واشنطن حيث تُعقد المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل ابيب وتثبيتِ مسار «الإطباق» على «بلاد الأرز» وقرار «الحرب والسلم» فيها، وكأنها عملية «ضمّ» سياسية.
ولم يكن عابراً في هذا السياق «قيادة» وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي «دبلوماسية هاتف» تحدث فيها مع نظيريه الروسي والصيني وكان في صلبها ملف لبنان ووقف النار فيه، وذلك «من فوق» الدولة اللبنانية التي كرّرت بلسان الرئيس جوزاف عون «ان التأكيدات التي بلغتْنا وما نصِّر عليه هو أن لبنان مساره مستقل في المفاوضات، وإن كنا بالتأكيد مع وقف النار ومع أي دولة تساعدنا، ومن ضمنها إيران، ووحده التدخل في الشؤون الداخلية للبنان غير مسموح به».
وشدد على إن التفاوض تقوم به الدولة اللبنانية وهي سيدة قرارها وما من أحد يأخذ مكانها، وهذا بات موضع قناعة لدى الجميع"، مُطَمْئناَ اللبنانيين إلى «أن لا احد يربطنا بأي دولة أخرى، وأي تسوية ستتم من خلالنا لا على حسابنا».
وقال عون أمام زواره «الأسبوع المقبل هناك جولة جديدة من المفاوضات (مع اسرائيل في واشنطن وتحديداً في 23 و24 و25 الجاري)، نأمل ان تكون إيجابية أكثر لا سيما مع الاهتمام الكبير للإدارة الأميركية بلبنان، ولأول مرة الدولة هي التي تقوم بالتفاوض وما من أحد يفاوض عنها. وصحيح ان طريق السلام والتفاوض من أجل بلوغه قد تبدو طويلة، إنما أليس الأفضل أن تكون طويلة ومن دون خسائرعلى لبنان وشعبه، من ان تكون قصيرة وكلفتها قاسية كما هي حال الحرب»؟
وأضاف «هل كانت هناك ضرورة للحرب التي حصلت، كي نعود الى وقف إطلاقٍ للنار، مع الآف الشهداء والجرحى فضلاً عن الدمار الهائل المقدَّرة قيمته بمليارات الدولارات؟ نحن نريد وقفاً للنار، بالأمس قبل اليوم، ولكن لم يكن هناك لزوم لهذه الحرب من الأساس».
وتابع عون «لماذا وصلْنا الى هنا؟ لماذا استجلبنا حروب الآخَرين علينا؟ أليس لمصالح هؤلاء الآخَرين ولمصالح فئوية وشخصية، لا من أجل مصلحة لبنان؟ نحن نأمل ان نطوي هذه الصفحة نهائياً».
وفي إطار تحصينِ موقع الدولة ومسار واشنطن التفاوضي بوجه محاولة طهران«وَضْعَ اليد»على ملف لبنان، من ضمن ما بات خصومُها يصفونه بـ«الوصاية الإيرانية غير المقنّعة»، وعلى وقع إعلان نائب«حزب الله»علي فياض تعليقاً على الحديث عن مطالبة الحزب بتعديل حكوميّ«أننا قلنا إن على الحكومة إعادة النظر بقراراتها المتعلقة بالسفير الإيراني محمد رضا شيباني والمسار التفاوضي»، توجّه رئيس الحكومة نواف سلام الى فرنسا في زيارة تستمر حتى الخميس، لمواكبة ما رشح عن قمة مجموعة السبع التي أكد قادتها في ما خص لبنان«دعم الوقف الفوري لإطلاق النار، وجهود القيادة اللبنانية الهادفة إلى حصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح حزب الله».
سلام إلى باريس
وفي وقت أبلغ مصدر دبلوماسي «التلفزيون العربي»، أن ترامب أكد للمجموعة أنه «سيضغط على إسرائيل لالتزام وقف النار بلبنان»، تحدثت تقارير عن أن سلام سيعقد سلسلة لقاءات مع مسؤولين عرب وأجانب، أبرزهم أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والرئيس إيمانويل ماكرون، للاطلاع على أوضاع المنطقة، ولبنان من ضمنها، فيما أوردت «وكالة الأنباء المركزية» أن رئيس الحكومة سيسعى ايضاً لاستيضاح ما أعلنه الرئيس الأميركي عن أنه «تحدّث مع الرئيس السوري أحمد الشرع وطلب منه تولّي مهمة انهاء حزب الله في لبنان ومواجهته»، نظراً لما يختزنه هذا الكلام من خطورة على لبنان، كما حقيقة الخلاف الاسرائيلي - الاميركي حول وقف النار في لبنان«وتبعاً لذلك، سيبحث سلام مع أمير قطر تفاصيل تتصل بهذين الموقفين، ومدى استعداد الدوحة لدعم لبنان واستمرار رعايته».
وفي موازاة ذلك، تعمّقت في الميدان محاولاتُ استباق النفاذ الرسمي لوقف النار على جبهة لبنان إما بتسريع إنهاء قضم مواقع ونقاط استراتيجية في منطقة النبطية، كما تفعل اسرائيل، وإما إرساء معادلات دفاعية - هجومية لكل من تل ابيب و«حزب الله» الذي نصب مكمناً مزدوجاً، في بلدة تبنين لقوات «لواء جفعاتي» التي أصيب 5 جنود منها بينهم واحد بجروح خطيرة واثنان بجروح متوسطة، إثر انفجار طائرة مسيّرة مفخخة في الجنوب.
وترافق ذلك مع ما نقلته صحيفة «معاريف» عن أنه «في الجيش يستمرون في العمل والاستعداد للجولة المقبلة من القتال، وأن بنك الأهداف في إيران وفي بيروت يجري بناؤه. ويقولون إنه بمجرد أن تعطي القيادة السياسية الضوء الأخضر، ستنطلق الطائرات»، بالتوازي مع إبلاغ مصدر عسكري الى«هآرتس»أن«هناك توجيهات موجهة للجيش الإسرائيلي بتجنب شنّ هجمات واسعة النطاق والتركيز على حماية القوات وإلحاق الضرر بالبنية التحتية الحيوية في جنوب لبنان».
السفير السعودي الجديد قدّم نسخة من أوراق اعتماده
سلّم السفير السعودي الجديد في بيروت فهد بن عبدالرحمن الدوسري، وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، نسخة عن أوراق اعتماده.
وأعرب رجي، عن أمله في «أن يوفَّق السفير السعودي الجديد في مهامه الدبلوماسية»، معولاً على «التعاون البنّاء في خدمة العلاقات الأخوية الراسخة بين لبنان والسعودية».