وثيقة تُحدث صدمة إستراتيجية... مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية تكرّس واقعاً جديداً

17 يونيو 2026 10:30 م

- مع بقاء بند لبنان مفتوحاً تظل المنطقة أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين
- التناقض الأعمق في العلاقة الأميركية
- الإسرائيلية... ذاتها
- التفاهم تحوّل إلى مادة خصبة للاتهامات المتبادلة

في تطور يحمل دلالات كبرى على مسار الصراع في الشرق الأوسط، كشفت تسريبات صحافية، تزامنت مع تقارير نشرتها «يديعوت أحرونوت» و«وول ستريت جورنال»، عن تفاصيل مذكرة تفاهم مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران، يُفترض توقيعها رسمياً يوم الجمعة في منتجع بورغنشتوك بسويسرا.

غير أن ما يجعل هذه الوثيقة محوراً لاهتزاز سياسي عميق، يتجاوز مجرد بنودها الظاهرة، إلى ما تثيره من تناقضات في الموقفين الأميركي والإسرائيلي، وما تكشفه من شرخ إستراتيجي غير مسبوق بين الحليفين التقليديين.

فالمذكرة، التي وصفتها مصادر دبلوماسية بأنها إطار مرحلي وليس اتفاقاً نهائياً، تمنح إيران مكاسب اقتصادية فورية، وفي مقدمتها الإعفاء من عقوبات النفط، وذلك قبل الشروع في المفاوضات الأساسية حول الملف النووي.

هذا التوقيت، الذي يمنح طهران ورقة ضغط متقدمة، فاجأ إسرائيل التي ظلت، وفق اعتراف سفيرها في واشنطن يحيئيل لايتر، في ظلام دامس بشأن النص النهائي، ما وضع قيادة الدولة العبرية في موقف دفاعي محرج، وفتح الباب أمام تساؤلات مصيرية حول مستقبل التحالف مع الإدارة الأميركية.

إطار مرحلي بمكافآت فورية

وفقاً للوثيقة المسربة، التي تتطابق مع ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن مذكرة التفاهم ترتكز على ثلاث ركائز أساسية. أولها، البعد الأمني المباشر، حيث ينص البند الأول على إنهاء الحرب فوراً ودائماً على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، مع التزام متبادل بعدم استخدام القوة واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

وثانيها، البعد الملاحي والاقتصادي، إذ تلتزم الولايات المتحدة رفع الحصار البحري وإعادة حركة الملاحة خلال 30 يوماً، مع سحب القوات العسكرية من المناطق المحيطة بعد الاتفاق النهائي، مقابل تعهد إيراني باستئناف حركة السفن التجارية في الخليج وبحر عمان وإزالة الألغام.

أما ثالثها، والأكثر إثارة للجدل، فيتمثل في الإعفاءات الاقتصادية الفورية التي تشمل صادرات النفط الإيراني والخدمات المصرفية والتأمينية والنقلية المرتبطة بها، بالإضافة إلى الإفراج الكامل عن الأصول الإيرانية المجمدة، مع وعد أميركي بوضع خطة لإعادة التأهيل الاقتصادي لإيران بتمويل لا يقل عن 300 مليار دولار عبر صندوق استثماري خاص.

ومع ذلك، تظل التفاصيل الجوهرية المتعلقة بالبرنامج النووي، ونسب التخصيب، والمنشآت النووية، والصواريخ البالستية، مؤجلة إلى مهلة 60 يوماً من المفاوضات، قابلة للتمديد، حيث يكتفي الاتفاق بتأكيد إيراني بعدم إنتاج أسلحة نووية، من دون تقديم آليات رقابية أو جدول زمني ملزم، وهو ما يشكل فراغاً خطيراً يمنح إيران هامشاً واسعاً من المناورة.

التناقضات الأربعة الكبرى

1 - الملف النووي بين الضغط الأقصى والتراجع التدريجي

يبدو التناقض الأكثر وضوحاً في الموقف الأميركي حيال البرنامج النووي. ففي الوقت الذي تظل فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب، معلنة التمسك بسياسة «الضغط الأقصى»، تخلو مذكرة التفاهم من أي التزامات إيرانية فعلية في ما يتعلق بتفكيك البنية التحتية النووية أو الصواريخ البالستية.

المحللون الإسرائيليون، وعلى رأسهم الوزير في حزب الليكود تساحي هانغبي، في «يديعوت أحرونوت»، يرون في هذا التراجع «فشلاً معروفاً مسبقاً»، إذ تسمح الوثيقة لإيران بالاحتفاظ ببرنامج تخصيب منخفض المستوى، وتؤجل المسائل العالقة إلى مفاوضات لا تبدو ضماناتها واضحة.

هذا التوجه يُقرأ في الأوساط الإسرائيلية كشرعنة فعلية للطموحات النووية الإيرانية، والتخلي عن المبدأ الأساسي الذي قامت عليه إستراتيجية واشنطن في السنوات الأخيرة.

2 - بند لبنان بين النص الإسرائيلي والقراءة الإيرانية

يمثل البند المتعلق بلبنان الحجر العثرة الأكبر في المذكرة، حيث يشير النص بوضوح إلى إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان.

غير أن الموقف الإسرائيلي، الذي عبر عنه السفير لايتر، بنفي قاطع، أكد أن إسرائيل لا تعتبر نفسها ملزمة هذا البند، وأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أبلغ اترامب، مباشرة أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان.

في المقابل، يصر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، على أن إنهاء الحرب في لبنان جزء لا يتجزأ من إنهاء الحرب بالكامل، ما يضع الولايات المتحدة في موقف وسطي محرج، إذ تعترف رسمياً باشتمال المذكرة على لبنان، بينما تترك المجال لإسرائيل لمواصلة عملياتها العسكرية، وهو تناقض يعكس حالة من الفوضى في التنسيق الاستراتيجي بين الحليفين.

3 - العقوبات والأصول... مكافأة قبل التنفيذ

يكشف البند الاقتصادي في المذكرة عن تناقض صارخ مع أهداف الحرب المعلنة التي كانت تستهدف إضعاف إيران اقتصادياً. فالإعفاء الفوري من عقوبات النفط، والإفراج عن أصول مجمدة، يُشكلان مكافأة لإيران من دون أي ضمانات جدية بتنفيذ التزاماتها النووية.

مسؤولون إسرائيليون، في تصريحات نقلتها «وول ستريت جورنال»، وصفوا هذه الخطوة بأنها «خدعة ترامب»، ورأوا فيها كارثة إستراتيجية لا تلبي أيّاً من المبادئ التي انطلقت عليها الحرب ضد إيران، وتحوّل الاتفاق إلى أداة لتمويل الآلة الإيرانية بدلاً من تقويضها.

4 - العلاقة مع إسرائيل... الشرخ الإستراتيجي

ربما يكون التناقض الأعمق هو ما يتعلق بالعلاقة الأميركية - الإسرائيلية ذاتها، حيث تحولت مذكرة التفاهم إلى مادة خصبة للاتهامات المتبادلة. فبينما يصف ترامب، نتنياهو بـ«المجنون» بسبب هجماته في لبنان، يرد المسؤولون الإسرائيليون باتهام رئيس وزرائهم بالتسبب بشرخ غير مسبوق مع واشنطن.

المحلل تسفي برئيل، في صحيفة «هآرتس» يذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن نتنياهو، حطم الأركان الثلاثة للدفاع عن إسرائيل ضد اتفاق سيئ، وهي الثقة الاستخباراتية، والتعاون العسكري، وحرية العمل.

أما الكاتبة أورلي أزولاي، فترى أن ترامب، كان إلى جانب نتنياهو، عندما ناسب ذلك مصلحته، وصرفه بالشتائم عندما حاول الأخير التخريب على الاتفاق مع إيران، وهو ما يرسم صورة لتحالف مصالح لا علاقة إستراتيجية راسخة تجمعه.

بين القبول المُرغَم والرفض العلني

تتراوح ردود الفعل الإسرائيلية الرسمية بين القبول المضطر ورفض البنود المزعجة. فبينما أعرب نتنياهو، عن تقديره لالتزام ترامب، بإزالة المواد المخصبة، هاجمه وزراء اليمين المتطرف، أيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، واصفين الاتفاق بأنه «سيئ» ولا يلزم إسرائيل.

وفي المشهد السياسي الداخلي، وُصف الاتفاق بأنه «فشل إستراتيجي» و«زلزال سياسي»، حيث طالب زعيما المعارضة يائير لابيد وبيني غانتس، باستقالة نتنياهو، معتبرين أنه تحول إلى أب لأكبر فشل إستراتيجي في تاريخ إسرائيل.

غير أن الموقف العسكري يظل الأكثر تعبيراً عن عدم الالتزام، إذ تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها في جنوب لبنان، وتعتزم تعميق وجودها في مناطق إضافية كالنبطية وإقليم التفاح، ما يُضعف أي فرصة لانسحاب وشيك ويجعل بند لبنان معلقاً بين النص والتطبيق.

اتفاق يكرّس واقعاً جديداً ويعمّق الشرخ

في المحصلة، تبدو مذكرة التفاهم إطاراً يُكرّس واقعاً جديداً في الشرق الأوسط، حيث تحصل إيران على تسهيلات اقتصادية غير مسبوقة من دون أن تقدم تنازلات جوهرية في برنامجها النووي أو ترسانتها الصاروخية.

في المقابل، تُترك تفاصيل لبنان لتتحول إلى نقطة احتكاك رئيسية بين واشنطن وتل أبيب، ما يعكس شرخاً إستراتيجياً غير مسبوق بين الحليفين. وهذا الشرخ، كما يبدو من التطورات الميدانية والسياسية، ليس عارضاً بل بنيوياً، إذ تدرك إسرائيل أن مصالحها الضيقة لم تعد محور الأولويات الأميركية في المنطقة، وأن الإدارة الحالية مستعدة للمراهنة على اتفاق مع إيران ولو على حساب العلاقات مع حليفها التقليدي.

ومع بقاء بند لبنان مفتوحاً، والعقوبات النووية مؤجلة، تظل المنطقة أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين، حيث يحل التفاوض محل المواجهة، لكن من دون أن تتبدد مخاطر الانفجار في أي لحظة، خصوصاً مع إصرار إسرائيل على عدم التقيد بالبنود، واستعداد واشنطن لإظهار مرونة كبيرة تجاه طهران.