مع الإعلان عن التفاهم الأميركي – الإيراني لوقف الحرب وفتح مضيق هرمز، والاستعداد للتوقيع الرسمي في سويسرا يوم 19 يونيو، تدخل المنطقة مرحلة جديدة تختلف عن مرحلة الحرب، لكنها لا تقل تعقيداً عنها. فالتاريخ يعلّمنا أن توقيع الاتفاقات أسهل بكثير من تنفيذها، وأن الستين يوماً الأولى هي الاختبار الحقيقي لجدية الأطراف وقدرتها على تحويل التفاهمات السياسية إلى وقائع مستقرة على الأرض.
لقد نجح الطرفان في الوصول إلى ما يمكن وصفه بـ«اتفاق الضرورة»، لا «اتفاق الثقة».
فإيران خرجت من مواجهة عسكرية واستنزاف اقتصادي وضغوط داخلية متزايدة، بينما واجهت الإدارة الأميركية تكاليف عسكرية وسياسية واقتصادية مرتفعة، فضلاً عن المخاطر التي هددت الملاحة الدولية وأسواق الطاقة العالمية. ولهذا جاء الاتفاق ليوقف النزيف أولاً، ويؤجل الملفات الأكثر تعقيداً إلى جولات تفاوض لاحقة.
ماذا يمكن أن يتحقق خلال الستين يوماً؟
إذا التزم الطرفان بمسار التهدئة، فمن المرجح أن تشهد الفترة المقبلة تقدماً في خمسة ملفات رئيسية.
أولها، إعادة التشغيل الكامل للملاحة في مضيق هرمز وإزالة القيود العسكرية التي فرضتها الأزمة الأخيرة، بما يعيد الثقة تدريجياً إلى أسواق الشحن والطاقة. وثانيها، تخفيف محدود لبعض العقوبات الاقتصادية المرتبطة بالنفط والبتروكيماويات مقابل استمرار الالتزام الإيراني بالاتفاق. وثالثها، إطلاق مفاوضات فنية حول البرنامج النووي الإيراني وآليات الرقابة الدولية عليه. أما الملف الرابع فيتعلق بإجراءات بناء الثقة الأمنية في الخليج، في حين يتمثل الملف الخامس في وضع إطار تفاوضي طويل الأمد يمنع العودة السريعة إلى المواجهة العسكرية.
التحدي الإيراني: صراع بين الدولة والثورة
التحدي الأكبر أمام القيادة الإيرانية ليس خارجياً بل داخلياً.
فالتيار البراغماتي داخل الدولة يرى أن الأولوية القصوى هي إعادة الاقتصاد إلى مسار التعافي واستعادة الصادرات النفطية وتخفيف الضغوط المعيشية.
في المقابل، تنظر بعض الدوائر العقائدية والأمنية إلى أي تنازل كبير للولايات المتحدة باعتباره مساساً بمشروع الثورة ومكانة إيران الإقليمية.
لذلك، ستواجه طهران معادلة دقيقة: كيف تستفيد من رفع الضغوط والعقوبات دون أن تبدو أمام جمهورها الداخلي وكأنها قدمت تنازلات إستراتيجية؟ وكيف تحافظ على نفوذها الإقليمي في وقت يطالب فيه الأميركيون بضبط السلوك الإقليمي وتقليص مصادر التوتر؟
كما أن إعادة بناء القدرات العسكرية والبنية الاقتصادية المتضررة ستتطلب موارد ضخمة، وهو ما يجعل نجاح الاتفاق حاجة إيرانية ملحة خلال المرحلة المقبلة.
أما التحدي الثاني أمام إيران فهو ضبط أذرعها وحلفائها في الإقليم. فأي حادث في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن، أو أي استهداف للملاحة أو المصالح الأميركية، قد يمنح خصوم الاتفاق ذريعة لإفشاله. ولذلك فإن قدرة طهران على ضبط الإيقاع الإقليمي ستكون جزءاً أساسياً من اختبار جديتها.
التحدي الأميركي: هل يستطيع ترامب بيع الاتفاق داخلياً؟
أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فيواجه تحدياً مختلفاً.
فهو يسعى إلى تقديم الاتفاق للرأي العام الأميركي باعتباره انتصاراً سياسياً وإستراتيجياً حقق أهداف الحرب دون الانزلاق إلى صراع طويل ومكلف.
لكن معارضيه سيطرحون أسئلة صعبة: هل حصلت واشنطن فعلاً على ضمانات كافية بشأن البرنامج النووي الإيراني؟ وهل تراجعت إيران عن مشاريعها الصاروخية والإقليمية؟ وهل أدى الاتفاق إلى حل المشكلة أم مجرد تأجيلها؟
كما أن أي حادث أمني في الخليج أو أي استهداف للقوات الأميركية أو للملاحة الدولية خلال الأسابيع المقبلة قد يعيد الضغوط السياسية على البيت الأبيض ويقوض الثقة بالاتفاق.
إسرائيل... العامل الأكثر حساسية
رغم أن الاتفاق أميركي–إيراني بالدرجة الأولى، فإن نجاحه أو فشله سيتأثر بدرجة كبيرة بالموقف الإسرائيلي.
فالملفات التي تم تأجيلها، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية، هي ذاتها الملفات التي تعتبرها إسرائيل تهديداً وجودياً. ولذلك فإن أي تصعيد إسرائيلي منفرد أو أي عملية عسكرية غير محسوبة قد يضع الاتفاق كله تحت الاختبار.
وقد أشار عدد من المراقبين بالفعل إلى أن التوترات الإقليمية القائمة ما زالت تمثل أحد أهم مصادر الخطر على مسار التهدئة الحالي.
الخليج بين فرصة التهدئة ومخاطر الانتكاسة
بالنسبة لدول الخليج، يمثل الاتفاق فرصة إستراتيجية ثمينة يجب استثمارها.
فعودة الاستقرار إلى مضيق هرمز تعني حماية شريان الطاقة العالمي الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية. كما تعني تخفيف الضغوط على الموازنات والأسواق والاستثمارات ومشاريع التنمية العملاقة التي تتبناها دول الخليج. وقد انعكس الإعلان الأولي عن الاتفاق سريعاً على أسواق النفط التي شهدت تراجعاً في علاوة المخاطر بعد توقع عودة التدفقات الطبيعية للطاقة، لكن في الوقت نفسه، فإن دول الخليج تدرك أن الاتفاق ما زال هشاً وأن احتمالات الانتكاسة قائمة. ولذلك فإن المطلوب خلال الستين يوماً المقبلة لا يقتصر على انتظار نتائج المفاوضات، بل يتطلب عملاً خليجياً منظماً لتعزيز الأمن البحري، وتطوير منظومات الإنذار المبكر، وتوسيع التنسيق الدفاعي والاستخباراتي، وتسريع مشاريع تنويع طرق تصدير الطاقة وتقليل الاعتماد الحصري على مضيق هرمز.
ماذا عن الكويت؟
الكويت من أكثر الدول استفادة من نجاح الاتفاق.
فالاستقرار الإقليمي ينعكس مباشرة على أمنها الوطني، وعلى حركة التجارة والاستثمار، وعلى استقرار أسواق الطاقة التي تمثل المصدر الرئيس للإيرادات العامة.
وخلال المرحلة المقبلة تستطيع الكويت أن تلعب دوراً مهماً في دعم التهدئة الإقليمية من خلال تعزيز الدبلوماسية الوقائية، ودعم الحوار الإقليمي، والمشاركة في المبادرات الخليجية المشتركة لحماية الممرات البحرية، والاستفادة من فترة الهدوء النسبي لتسريع خطط التنويع الاقتصادي وتقوية الجاهزية الوطنية للأزمات.
الخلاصة:
إنّ اتفاق واشنطن وطهران لا يمثل نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة منه.
فالستون يوماً المقبلة ستكون فترة اختبار حقيقية للنوايا والقدرات.
وإذا نجح الطرفان في تجاوز ملفات الثقة والعقوبات والنووي والأمن الإقليمي، فقد نشهد بداية مسار استقرار طويل نسبياً.
أما إذا عادت الحسابات الأيديولوجية أو الضغوط الداخلية أو المغامرات العسكرية إلى الواجهة، فقد يتحول الاتفاق إلى مجرد هدنة موقتة بين جولتين من الصراع.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل تم توقيع الاتفاق؟ بل: هل يمتلك الطرفان الإرادة السياسية الكافية لتحويله إلى سلام مستدام؟