دولة «الأبارتهايد» والانهيار الأخلاقي... إجماع استثنائي بين اليسار واليمين في إسرائيل

15 يونيو 2026 10:00 م

- 93 في المئة من اليهود الإسرائيليين يدعمون الحرب
- يعالون يفكك أيديولوجية القتل: المستوطنون المتطرفون «نازيون»
- ليفي يتهم نتنياهو بأنه «مسؤول عن الإبادة الجماعية في غزة»
- جرائم المستوطنين ليست مجرد «إرهاب فردي» بل سياسة دولة
- جرائم المستوطنين بدأت تخرق جدار الصمت الإعلامي بعد عقود من النفي

في مشهدٍ غير مسبوق يعكس عمق التصدع داخل النخبة الحاكمة في إسرائيل، تحوّل قادة الأمن والسياسة السابقون إلى «شهود إثبات» ضد آلة الاحتلال ذاتها.

لم تعد الرواية الرسمية متماسكة، ولم يعد الجدار الصامت قادراً على احتواء الفضيحة الأخلاقية.

بين من يشبّه المستوطنين بالنازيين، ومن يصف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بالمسؤول المباشر عن الإبادة الجماعية، ومن يحذر من تحول الإسرائيليين إلى «يهود نازيين»، تكشف مصادر إسرائيلية وأجنبية موثقة، الوجه الآخر لـ«دولة التفوق اليهودي» التي يتقاطع فيها اليمين الأمني مع اليسار الصهيوني في لحظة اعتراف تاريخية.

يعالون يُفكك أيديولوجية القتل

في تطور لافت يعكس عمق الأزمة داخل النخبة السياسية والأمنية، أطلق وزير الدفاع السابق موشيه يعالون، تصريحات مدوية شبّه فيها المستوطنين المتطرفين بـ «النازيين»، معترفاً بأن المفكر اليهودي الراحل يشعياهو ليبوفيتش، كان «محقاً» في تحذيره من أن الاحتلال سيحول الإسرائيليين إلى «يهود نازيين».

في مقابلة مع موقع «واينت» الإلكتروني، لم يكتفِ يعالون، بوصف أفعال المستوطنين بأنها «عار» سيلحق بإسرائيل إلى الأبد، بل ذهب إلى تشريح العقد الفكري الذي يقود هذه الجماعات.

ووصف ما يحدث في الضفة الغربية بأنه تطبيق لعقيدة «التفوق اليهودي»، مستشهداً بأفكار الحاخامين دوف ليئور وبن صهيون غينزبورغ، اللذين يعتبرهما القيادة الروحية للمستوطنين.

وقال يعالون بوضوح: «بعد 80 عاماً على المحرقة، نحن أمام كتاب ماين كامبف (لهتلر) بالمقلوب. العرق الأسمى هو نحن، وهم (المستوطنون) يروّجون لذلك».

هذا الاعتراف، الصادر عن قائد عسكري سابق كان في قلب صناعة القرار الأمني والعسكري، يُسقط التبريرات التقليدية، ويثبت أن العنف ليس تجاوزات فردية، بل نتاج أيديولوجية منظمة تمارس ضمن سياسة دولة.

أرقام صادمة وتواطؤ حكومي مكشوف

كشف يعالون عن حقائق تدق ناقوس الخطر، مشيراً إلى وجود أكثر من 20 جريمة قتل لفلسطينيين على يد المستوطنين لم يتم اعتقال أي مشتبه به فيها، وهو ما يعكس، وفق تعبيره، سياسة راسخة للإفلات من العقاب.

واتهم بشكل مباشر وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، بتوجيه تعليمات للشرطة «بألا تعمل»، ما أدى إلى شل حركة تطبيق القانون ضد المستوطنين.

وقال يعالون: «بعضهم يرتدي زي هاغمار (وحدة دفاع قطري تضم مستوطنين متطرفين)، وبعضهم يرتدي ملابس مدنية، ولا يوجد شرطة».

هذه الشهادة تؤكد ما نشرته «هآرتس» في افتتاحيتها بعنوان «يسرقون ويُسوّون»، حيث كشفت الصحيفة أن الحكومة لا تكتفي بعدم منع الجريمة، بل «تبيضها» تشرعها وتدافع عنها وعن مرتكبيها من المستوطنين.

وأوضحت الصحيفة كيف تعمل وزارة الدفاع والجيش على لوائح «لتسوية» المزارع الاستيطانية، أي منح الشرعية للأراضي المسروقة من الفلسطينيين.

ووفقاً للصحيفة، تمتد هذه المزارع على نحو مليون دونم، وتُستخدم لطرد أكثر من 60 تجمعاً رعوياً فلسطينياً. وقد شهد زئيف حفير (زمبيش) أن «الأرض التي تستولي عليها هذه المزارع هي 2.5 ضعف كل الأراضي التي تستولي عليها كل مئات المستوطنات».

الاحتلال يكتشف نفسه

من ناحية أخرى، يقدم الكاتب اليساري جدعون ليفي، في «هآرتس»، تحليلاً لاذعاً لعلاقة الإعلام الإسرائيلي المجنّد والجمهور بما يحدث. تحت عنوان «الإسرائيليون اكتشفوا فجأة الاحتلال (عفواً، الإرهاب اليهودي)»، يصف كيف أن جرائم المستوطنين بدأت تخرق جدار الصمت الإعلامي بعد عقود من النفي والتعتيم.

ويشير إلى أن مقتل الطفل الرضيع سام أبوهيكل (7 أشهر) برصاص جندي في الخليل هو ما أيقظ الضمير للحظة، متسائلاً «ماذا عن مصير آلاف الأطفال الآخرين الذين قتلهم الجيش الإسرائيلي في غزة ولم يحظوا باهتمام مماثل»؟

في مقابلة مع موقع «ديمقراسي ناو»، أوضح ليفي، أن وسائل الإعلام الإسرائيلية الرئيسية تعاني من «رقابة ذاتية» وتعتبر نفسها «وكالة تابعة للحكومة والمؤسسة العسكرية»، وهو ما يفسر لماذا لم تُنقل جرائم المستوطنين بالشكل الكافي لعقود سابقة، ولاتزال مستمرة.

وفي تصريح أكثر جرأة، قال ليفي، لموقع «إل أوردن مونديال» إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو «مسؤول عن الإبادة الجماعية في غزة»، واصفاً الحكومة بأنها الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل، ومحذراً من أن أوروبا مهددة أيضاً بتداعيات هذه السياسات.

وأكد أن «إسرائيل تريد الحرب في أكبر عدد ممكن من الأماكن»، مشيراً إلى أن 93 في المئة من الجمهور اليهودي الإسرائيلي يدعم الحرب، وهي أرقام وصفها بأنها تشبه «كوريا الشمالية» في درجة التعبئة والتطرف.