في ظل المؤشرات المتزايدة على اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى اتفاق افتراضي أو تفاهم جديد بشأن الملف النووي والعقوبات الاقتصادية ومضيق هرمز والحرب المتقلبة والتي تتصاعد في منطقة الخليج، فهنالك تساؤلات مشروعة حول التداعيات الإستراتيجية لمثل هذا الاتفاق، خصوصاً إذا جاء بصيغة تركز على الجوانب النووية وتغفل الملفات الأمنية الأوسع التي تمثل جوهر المخاوف الخليجية.
فرغم أن أي اتفاق قد يسهم في خفض احتمالات المواجهة العسكرية وتحقيق قدر من الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية، إلا أن الثغرة الخطيرة الأبرز تكمن في احتمال استبعاد برنامج الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة الإيرانية من القيود المفروضة، وهي أدوات تعتبرها دول الخليج من أخطر عناصر التهديد المباشر لأمنها القومي. كما أن رفع العقوبات والإفراج الجزئي عن الأصول الإيرانية المجمدة قد يوفر لطهران موارد مالية ضخمة تعزّز قدرتها الاقتصادية والإقليمية، الأمر الذي يثير مخاوف من استخدام جزء من هذه الموارد في تعزيز نفوذها السياسي والعسكري في المنطقة، وتعمل بالتسليح
والتخطيط السلبي بدلاً من توجيهها حصراً إلى التنمية الداخلية وكأن شيئاً إيجابياً لم يحصل نتيجة الحرب، وكما يقال (كأنك يا بو زيد ما غزيت!).
وبالتالي يزداد القلق الخليجي المزمن تجاه إيران وإن كان الاتفاق المرتقب قائماً على تجميد أو تقييد موقت للأنشطة النووية بدلاً من معالجة جذرية ودائمة للبنية التحتية النووية الإيرانية، ما يعني إمكانية عودة الأزمة إلى الواجهة بمجرد انتهاء فترات التقييد أو تغير الظروف السياسية.
ومن النقاط المثيرة للجدل أيضاً أن الدول الخليجية، رغم كونها الأكثر تأثراً بنتائج أي تفاهم أميركي - إيراني، إلا أنها كما يبدو لم تشارك بصورة مباشرة في صياغة بنوده أو تحديد أولوياته، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفاوت خطير بين المصالح الأمنية الخليجية والحسابات الإستراتيجية لواشنطن والكيان الصهيوني.
وأيضاً فإن عودة النفط الإيراني بكميات كبيرة إلى الأسواق العالمية قد تضيف ضغوطاً على الأسعار وإيرادات الدول المصدرة للنفط في الخليج، في وقت لا تزال فيه اقتصادات المنطقة تعتمد بدرجات متفاوتة على العائدات النفطية.
وإلى جانب ذلك تبقى مسألة الرقابة والتفتيش والتحقق من الالتزامات الإيرانية من أكثر القضايا حساسية، إذ إن نجاح أي اتفاق لا يقاس بما يُكتب في نصوصه فقط، بل بقدرة الجهات الدولية على ضمان تنفيذ تلك الالتزامات بصورة مستمرة وشفافة.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام دول الخليج لا يتمثل في مبدأ الاتفاق بحد ذاته، بل في محتواه وتفاصيله ومدى قدرته على معالجة مختلف مصادر التوتر الإقليمي، إذ إن اتفاقاً يحد من التخصيب النووي دون أن يتناول الصواريخ البالستية والنفوذ الإقليمي وآليات الضمان الأمني قد يمنح المنطقة هدوءاً موقتاً، ربما بعده عاصفة أخرى يجب الاستعداد كويتياً وخليجياً لكل احتمالاتها، فإنّ أسباب القلق الإستراتيجي قائمة وربما أكثر تعقيداً في المستقبل.
والله عز وجل المُعين في كل الأحوال.
X@alsadhankw