بعد مرور عقد كامل على اكتشافها، دخلت تقنية تحرير الجينات المعروفة اختصاراً بـ «كريسبر» (CRISPR) مرحلة النضج العلمي والسريري، حيث لم تعد تقتصر على مجرد قص شرائط الحمض النووي، بل تطوّرت إلى منظومة متكاملة من الأدوات القادرة على إعادة كتابة الشيفرة الوراثية بدقة حرفية.
ونشرت مجلة «كوانتا» العلمية تحليلاً موسعاً يرصد ملامح المستقبل القريب لهذه التقنية، نقلاً عن مقابلات حصرية مع أبرز علماء البيولوجيا الجزيئية في العالم، وفي مقدمهم الحائزة جائزة نوبل جنيفر داودنا.
وبحسب ما أوضحه باحثون، فإن الجيل الجديد من أدوات التعديل الجيني يتجاوز عقبات كانت تُعدّ حتى الأمس القريب حواجز تقنية كأداء، وعلى رأسها مشكلة التعديلات غير المستهدفة التي كانت تثير مخاوف تتعلق بالسلامة. وتقود هذا التحول تقنيات ثورية عدة، أبرزها «التعديل الأولي» (Prime Editing) و«التعديل اللاجيني» (Epigenome Editing)، اللتان تتيحان للعلماء تغيير قاعدة وراثية واحدة دون كسر الشريط المزدوج للحمض النووي، ما يُقلّص بشكل كبير احتمالات الطفرات الجانبية الخطيرة.
واستعرضت المجلة الأميركية المرموقة أبرز المحاور التي سترسم خريطة هذا المجال خلال السنوات الخمس المقبلة، والتي تشمل:
• الانتقال من التجارب المخبرية إلى العلاجات السريرية المعتمدة، مع توقع حصول ثلاثة عقاقير جينية جديدة على موافقة «إدارة الغذاء والدواء الأميركية» بحلول العام 2028.
• توسيع نطاق الاستهداف العلاجي ليشمل أمراضاً معقدة مثل ألزهايمر وباركنسون، بعد أن كانت التطبيقات محصورة في الأمراض الوراثية النادرة.
• توظيف الذكاء الاصطناعي لتسريع تصميم جزيئات الحمض النووي الريبي الموجّه (gRNA) والتنبؤ بدقة بمواقع القطع والتحرير.
• تطوير أنظمة توصيل جيني آمنة باستخدام جسيمات نانوية دهنية بدلاً من الفيروسات المعدّلة، ما يخفّض التكلفة ويعزز السلامة.
وفي هذا السياق، أوضحت البروفيسورة داودنا، أن التحدي الأكبر لم يعد علمياً بقدر ما أصبح أخلاقياً وتنظيمياً، محذرة من أن سباق التسلح التجاري بين مختبرات العالم قد يؤدي إلى تطبيقات غير مدروسة العواقب.
وشدّدت على ضرورة بناء إطار حوكمة عالمي لتقنيات تحرير الجينات، يضمن توجيه الأبحاث نحو الأولويات الصحية بدلاً من الأسواق الاستهلاكية.
يُشار إلى أن هذه التطورات تفتح آفاقاً غير مسبوقة لعلاج أمراض مستعصية كانت حتى سنوات قليلة مضت تُصنف بصفتها «قدراً بيولوجياً» لا فكاك منه. لكن الأسئلة الوجودية التي يطرحها عصر التعديل الجيني — حول حدود التدخل البشري في الطبيعة، وحق الأجيال القادمة في مورثات غير معدّلة، والعدالة في الوصول إلى هذه العلاجات الباهظة — لاتزال تنتظر إجابات من المجتمع الدولي بأسره، لا من مجتمع العلماء وحده.