ابتكار بديل حيوي قابل للتحلل البيولوجي الكامل

بكتيريا من نشا البطاطس... البديل القادم للبلاستيك التقليدي

14 يونيو 2026 10:00 م

كشف فريق من الباحثين في جامعة «أوساكا» اليابانية عن نجاحهم أخيراً في ابتكار وتطوير بوليمر حيوي جديد مستخلص من نشا البطاطس يتميز بقابلية تحلل كاملة في البيئة الطبيعية خلال أسابيع، وذلك في خطوة من شأنها أن تقدم بديلاً تنافسياً للمواد البلاستيكية التقليدية التي تستغرق قروناً لتتحلل.

ومن خلال دراسة نشرتها دورية «ساينس أدفانسز»، أوضح الفريق البحثي أن البوليمر الجديد ينتج عن طريق تخمير النشا بواسطة سلالة بكتيرية معدلة وراثياً تنتمي إلى فصيلة «رالستونيا»، ما ينتج مادة صلبة وشفافة تجمع بين متانة البلاستيك التقليدي وقابلية التحلل الحيوي السريع.

وأشارت نتائج الدراسة إلى أن المادة المبتكرة تحمل اسم «بولي هيدروكسي بيوتيرات» (PHB)، وهي من فئة البوليسترات الحيوية التي تنتجها الكائنات الدقيقة طبيعياً، لكن عملية الإنتاج الجديدة تعتمد على النشا المستخلص من البطاطس كمادة وسيطة رخيصة ومتوفرة بكثرة، ما يخفض تكلفة الإنتاج إلى مستويات تنافس البلاستيك التقليدي للمرة الأولى.

وشدّد الباحثون على أن البوليمر يمكن تشكيله باستخدام معدات التصنيع البلاستيكية القياسية دون الحاجة إلى تعديلات جوهرية في خطوط الإنتاج.

وتبرز خصائص المادة الجديدة في جوانب رئيسية عدة، من أبرزها:

• تحلل كامل في التربة ومياه البحر خلال فترة تتراوح بين 4 و8 أسابيع، دون ترك أي جسيمات بلاستيكية دقيقة.

• شفافية بصرية عالية تجعلها مناسبة لتطبيقات التغليف الغذائي والعبوات الطبية.

• مقاومة حرارية تصل إلى 120 درجة مئوية، ما يجعلها قابلة للاستخدام في تطبيقات تتطلب التعقيم الحراري.

• إمكانية إعادة تدويرها كيميائياً إلى مونومراتها الأساسية وإعادة بلمرتها دون فقدان في الجودة.

ولفت الباحثون إلى أن الاعتماد على نشا البطاطس، وهو محصول يزرع بكميات ضخمة عالمياً ويهدر منه نحو 30 في المئة لأسباب تجارية، يعالج معضلة مزدوجة تتمثل في الاستفادة من المخلفات الزراعية وخفض البصمة الكربونية لإنتاج البلاستيك الحيوي مقارنة بالبوليمرات الحيوية المستخلصة من الذرة أو قصب السكر. وأضاف الباحثون أن عملية التخمير البكتيري تجري في ظروف معتدلة لا تتطلب درجات حرارة أو ضغوطاً مرتفعة، ما يقلل استهلاك الطاقة في التصنيع بنسبة تصل إلى 40 في المئة مقارنة بعمليات إنتاج البلاستيك التقليدي.

في المقابل، أقرّ أعضاء الفريق البحثي بأن ثمة تحديات تقنية لاتزال قائمة قبل التحول إلى الإنتاج التجاري الواسع، أبرزها الحاجة إلى تحسين كفاءة السلالة البكتيرية لزيادة إنتاجيتها من البوليمر لكل وحدة من النشا، إلى جانب تطوير عمليات فصل وتنقية المادة بتكاليف اقتصادية.

غير أن النتائج المخبرية الأولية تشير إلى أن هذه العقبات ليست مستعصية، وأن الإنتاج شبه التجريبي قد يبدأ في غضون عامين إلى ثلاثة أعوام بالتعاون مع شركات يابانية متخصصة في الصناعات الكيميائية الحيوية.

ويأتي هذا التطور في سياق تسارع الجهود العالمية لإيجاد بدائل للمواد البلاستيكية الأحفورية التي تنتج نحو 400 مليون طن سنوياً، لا يعاد تدوير سوى 9 في المئة منها، بينما ينتهي معظمها في مكبات النفايات والمحيطات. وتفرض تشريعات بيئية متصاعدة في الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الآسيوية قيوداً على استخدام المواد البلاستيكية غير القابلة للتحلل، ما يفتح أسواقاً واعدة للبوليمرات الحيوية التي تستوفي معايير الاستدامة والجدوى الاقتصادية معاً.

وخلص الباحثون إلى أن النموذج القائم على النشا والبكتيريا قد يصبح، في حال نجاح توسيع نطاقه، إحدى الركائز الأساسية لاقتصاد البلاستيك الحيوي في العقد المقبل.