في دراسة رائدة تُعمّق فهم الأسس البيولوجية للاكتئاب، أعلن فريق دولي من العلماء عن اكتشاف تغيرات ملموسة في النشاط الجيني لخلايا الدم البيضاء لدى الأفراد المصابين بالاكتئاب السريري، وذلك في نتائج تنقل هذا الاضطراب النفسي من دائرة «أمراض الدماغ» حصراً إلى نطاق أوسع يشمل الجسم بأكمله.
ونُشرت الدراسة، التي قادها باحثون من «جامعة كوين ماري في لندن» و«كلية كينغز كوليدج لندن»، في موقع «سايكي بوست» العلمي المتخصص في أبحاث علم النفس والطب النفسي.
واعتمد فريق البحث على تحليل شامل لعينات دم مأخوذة من 3,200 مشارك، نصفهم مشخصون بالاكتئاب السريري ونصفهم الآخر أصحاء.
واستخدم الباحثون تقنيات متطورة لتسلسل الحمض النووي الريبي (RNA Sequencing) لقياس مستوى التعبير الجيني في خلايا الدم البيضاء، وهي الخلايا التي تُعدّ خط الدفاع الأول لجهاز المناعة في الجسم. وأظهرت النتائج أن 86 جيناً مختلفاً أظهرت مستويات تعبير متغيرة بشكل ملحوظ لدى مجموعة المصابين بالاكتئاب مقارنة بالأصحاء.
وأوضحت الدكتورة لوكا سارولي، الباحثة الرئيسية في الدراسة، أن النتائج ترسم صورة أكثر تعقيداً للاكتئاب مما كان سائداً لعقود. فالاعتقاد التقليدي بأن الاكتئاب هو مجرد «خلل في كيمياء الدماغ» يبدو الآن قاصراً عن تفسير الظاهرة بالكامل. وبدلاً من ذلك، تشير البيانات إلى أن الاكتئاب يُحدث بصمة بيولوجية جهازية تمتد إلى الخلايا المناعية، ما يجعله أشبه بمرض جهازي تظهر أعراضه الأكثر وضوحاً في الدماغ، لكن جذوره تمتد إلى أجهزة الجسم كافة.
وكشفت الدراسة عن مسارات بيولوجية محددة تأثرت بالتغيرات الجينية، من أبرزها:
• جينات تنظيم الالتهاب: أظهرت فرط نشاط واضحا، ما يدعم فرضية أن الالتهاب المزمن منخفض الدرجة هو عنصر أساسي في بيولوجيا الاكتئاب.
• جينات الاستجابة للإجهاد التأكسدي: سجلت خللاً في آليات الدفاع ضد الجذور الحرة، ما يشير إلى تلف خلوي تراكمي.
• جينات تنظيم الساعة البيولوجية: أظهرت تعبيراً غير طبيعي، وهو ما يفسر اضطرابات النوم العميقة التي يعانيها مرضى الاكتئاب.
• مسارات إشارات الكورتيزول: كشفت عن مقاومة جزئية لهرمون التوتر، تفسر استمرار أعراض الإجهاد رغم المستويات المرتفعة من الهرمون.
يُذكر أن هذه النتائج لا تحمل فقط قيمة نظرية في فهم طبيعة الاكتئاب، بل تفتح أيضاً آفاقاً تطبيقية واعدة لتطوير أدوات تشخيصية جديدة. فإمكانية تشخيص الاكتئاب من خلال فحص دم بسيط — بدلاً من الاعتماد على المقابلات السريرية الذاتية — قد تُحدث ثورة في مجال الصحة النفسية، وتُزيل جزءاً كبيراً من الوصمة الاجتماعية المرتبطة بطلب المساعدة النفسية. كما أن تحديد المسارات البيولوجية المتأثرة يمنح الباحثين أهدافاً دوائية جديدة يمكن استهدافها بعلاجات مناعية أو مضادة للالتهاب.