كشفت دراسة علمية حديثة أجرتها جامعة «ييل» الأميركية أن الأطفال الذين يعانون من السمنة في سن مبكرة يواجهون لاحقاً تغيرات سلبية في بنية الدماغ تشبه تلك التي تظهر عادة في مراحل البلوغ المتقدمة من العمر، ما يُنذر بتأثيرات طويلة الأمد على الصحة الإدراكية.
ونشرت دورية «Nature Mental Health» نتائج الدراسة التي اعتمدت على تحليل صور أشعة لأدمغة أكثر من 11 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 9 و11 عاماً، في واحدة من أوسع المسوحات من نوعها حتى اليوم.
وأوضح فريق البحث أن النتائج أظهرت وجود صلة واضحة بين مؤشر كتلة الجسم المرتفع وتراجع ما يُعرف بـ«عمر الدماغ»، وهو مقياس يُقارن بين العمر الزمني للطفل ونضج بنية دماغه. وبحسب الدراسة، فإن الأطفال المصنفين ضمن فئة السمنة أظهروا أدمغة أكبر عمراً بنحو 1.5 إلى 2.5 سنة مقارنة بنظرائهم ذوي الوزن الطبيعي، وهو فارق يُعد كبيراً في هذه المرحلة العمرية الحرجة من النمو العصبي.
وركزت الدراسة بشكل خاص على التغيرات التي تطرأ على المادة البيضاء في الدماغ، وهي المسؤولة عن نقل الإشارات بين المناطق المختلفة. واتضح أن السمنة ارتبطت بـ:
• انخفاض ملحوظ في سلامة الألياف العصبية داخل أجزاء أساسية من الدماغ، بما فيها الجسم الثفني الذي يربط بين نصفي الدماغ.
• ضعف في عملية التخلق النخاعي، وهي الآلية التي تُغلف الألياف العصبية وتُسرّع الاتصال بين الخلايا.
• انخفاض في مادة الميالين الواقية، ما يُشبه إلى حد كبير التغيرات المرتبطة بأمراض التنكس العصبي في مراحل لاحقة من الحياة.
ونقل تقرير عن الدكتور أرمان نيشان، الباحث الرئيسي في قسم الطب النفسي بجامعة «ييل»، قوله إن هذه النتائج «تُسلط الضوء على نافذة زمنية بالغة الأهمية خلال مرحلة الطفولة، حيث يكون الدماغ في قمة مرونته وقابليته للتأثر بالعوامل البيئية والغذائية».
وأضاف أن التدخل المبكر لعلاج السمنة قبل سن المراهقة قد يكون قادراً على عكس بعض هذه التأثيرات أو على الأقل الحد من تفاقمها.
ولم تقتصر المخاوف على الجانب التركيبي للدماغ فحسب، بل امتدت إلى الأداء الوظيفي.
فقد أشارت البيانات إلى أن الأطفال ذوي مؤشر كتلة الجسم المرتفع سجلوا نتائج أقل في اختبارات الذاكرة العاملة والمرونة الإدراكية وحل المشكلات، وهي مهارات تنفيذية عليا تُعد أساسية للتحصيل الأكاديمي والنجاح المهني لاحقاً.
وفي هذا السياق، شدد الباحثون على أن العلاقة بين السمنة والإدراك ليست مجرد ارتباط إحصائي، بل هي سلسلة معقدة تتداخل فيها عوامل الالتهاب المزمن، ومقاومة الأنسولين، واضطراب الهورمونات المنظمة للشهية والتمثيل الغذائي.
ومن أبرز ما خلصت إليه الدراسة أن التأثيرات الضارة لا تقتصر على الأطفال المصابين بالسمنة المفرطة فقط، بل تشمل أيضاً أولئك الذين يعانون من زيادة الوزن، ما يُوسع نطاق الفئة المعرضة للخطر. وبناءً على هذه المعطيات، دعا الباحثون إلى تبني سياسات صحية عامة أكثر صرامة تستهدف الحد من السمنة بين الأطفال، لا سيما من خلال تنظيم تسويق الأغذية فائقة المعالجة وتحسين جودة الوجبات المدرسية وزيادة حصص النشاط البدني.
تجدر الإشارة إلى أن الدراسة اعتمدت على بيانات من مشروع «دراسة التطور الإدراكي لدماغ المراهقين» التابع للمعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة، وهو مشروع طويل الأمد يُتابع آلاف الأطفال حتى سن البلوغ. ويُخطط الفريق لإجراء المزيد من الفحوصات على المشاركين أنفسهم في مرحلة المراهقة المتأخرة لمعرفة ما إذا كانت الفجوة في عمر الدماغ تستمر في الاتساع مع التقدم في العمر.
وفي المحصلة، فإن هذه النتائج تُضيف بُعداً جديداً إلى فهم مخاطر سمنة الأطفال، حيث لم تعد المشكلة مقتصرة على مضاعفات جسدية كالسكري وأمراض القلب، بل امتدت إلى العضو الأكثر تعقيداً في جسم الإنسان.