تحذيرات إسرائيلية: «مذكرة التفاهم» تمنح طهران متنفساً اقتصادياً من دون تفكيك البنى التحتية للإرهاب

14 يونيو 2026 10:00 م

- إسرائيل لا تستطيع التأثير... صوتها لم يعد مسموعاً لدى ترامب

«لم نعد داخل دائرة التأثير، ولا نستطيع فعلياً التأثير»، هكذا قال مسؤولون في إسرائيل، بحسب موقع «واي نت» العِبري التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، بينما حذر مسؤول رفيع المستوى من أن «هذا اتفاق سيئ يضر بمصالحنا».

ووفق التحذيرات، فإن «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران، تمنح طهران متنفساً اقتصادياً من دون تفكيك البنى التحتية للإرهاب، وتترك إسرائيل من دون قدرة على التأثير في البيت الأبيض، كما تثير مخاوف من أن الطريق إلى تسوية في لبنان قد تتطلب تنازلات خطيرة.

وقال مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى، إن مذكرة التفاهم هي «اتفاق غير جيد». وأضاف: «لا أحد راضياً عن الاتفاق. نحن نفهم أنه ليس جيدا بالنسبة لنا، وأنه يضر بالمصالح الإسرائيلية. ما يثير القلق هو أن إسرائيل لا تستطيع التأثير، وصوتها غير مسموع».

في الواقع، بينما يقدم البيت الأبيض الخطوة على أنها إنجاز دبلوماسي قد يمنع مواجهة إقليمية واسعة ويُبعد إيران عن امتلاك قدرة نووية عسكرية، تتزايد في إسرائيل التقديرات التي تصفه بأنه اتفاق سيئ بل وحتى «كارثة».

ويعود ذلك إلى أن الاتفاق الحالي، الذي يفترض أن يكون مجرد إطار لمفاوضات تستمر 60 يوماً مع إمكانية تمديدها لفترة مماثلة، لا يحقق أياً من المبادئ التي تحدثت عنها إسرائيل في بداية عملية «زئير الأسد».

التفاصيل المعروفة

بحسب المعلومات المتاحة، لا يتضمن الاتفاق معالجة جوهرية لمنظومة الصواريخ الإيرانية، ولا يلزم بتفكيك شبكة الوكلاء الإقليميين التابعة لإيران، كما لا يتناول مسألة تغيير النظام.

ويرى العديد من المسؤولين الإسرائيليين أن ذلك يمثل تفويتا لفرصة استراتيجية نادرة نشأت نتيجة الضغوط العسكرية والاقتصادية التي مورست على إيران، ولايزالون يأملون ألا يتم التوصل إلى تسوية نهائية بهذا الشكل.

الإمكانات الاقتصادية لإيران

على مدى سنوات، اعتُبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب متبنياً بدرجة كبيرة للرؤية الإسرائيلية تجاه التهديد الإيراني، ومؤيدا لسياسة «الضغط الأقصى» لخنق طهران اقتصادياً.

لكن التقديرات في اسرائيل تشير الآن إلى أن أولويات واشنطن مختلفة، وأن ترامب يريد التوصل إلى اتفاق «بأي ثمن».

من وجهة النظر الأميركية، الهدف الأساسي هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي وإعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة العالمية.

أما بالنسبة لإسرائيل، فالتهديد الإيراني أوسع بكثير، ويشمل أيضاً الصواريخ الدقيقة، والميليشيات المسلحة المنتشرة في المنطقة، والجهود المستمرة لتآكل الردع الإسرائيلي.

ويعتقد مسؤولون إسرائيليون أن ترامب يريد إنهاء الأزمة بسرعة، ومنع حرب واسعة، وتقديم إنجاز سياسي مهم. ولذلك، حسب رأيهم، فإن الولايات المتحدة مستعدة لتقديم تنازلات في قضايا تعتبرها إسرائيل حيوية لأمنها القومي.

الأموال الإيرانية

أحد أكثر العناصر إثارة للقلق بالنسبة لإسرائيل هو الجانب الاقتصادي للاتفاق.

فحتى لو كانت الأموال المجمدة التي سيتم الإفراج عنها محدودة ومخصصة في المرحلة الأولى لشراء الغذاء والأدوية، فإن رفع القيود عن صادرات النفط قد يدر على خزينة النظام مليارات الدولارات الإضافية.

وتخشى إسرائيل أن يُستخدم جزء من هذه الموارد مستقبلاً لإعادة بناء القدرات العسكرية، وتطوير منظومات الصواريخ، وتعزيز التنظيمات الحليفة لإيران في أنحاء المنطقة.

ويستند هذا القلق إلى ما تعتبره إسرائيل درساً من الاتفاق النووي لعام 2015، حيث لم يؤد تحسّن الوضع الاقتصادي الإيراني إلى اعتدال إقليمي، بل إلى توسيع نفوذ طهران في لبنان وسوريا والعراق واليمن.

الملف النووي

يبقى الملف النووي نفسه القضية الأكثر حساسية.

فوفقاً لمسؤولين أميركيين كبار، تم التوصل إلى تفاهم في شأن كيفية إخراج المواد المخصبة من إيران وتدميرها، وستأخذ الولايات المتحدة جزءاً منها في إطار الاتفاق.

في المقابل، يواصل مسؤولون إيرانيون الحديث عن «تخفيف نسبة التخصيب» فقط، وليس بالضرورة إخراج اليورانيوم من الأراضي الإيرانية.

وتخشى إسرائيل أنه إذا بقيت المواد الانشطارية داخل إيران، حتى تحت الرقابة، فقد يتمكن النظام مستقبلاً - وربما بعد انتهاء ولاية ترامب - من استئناف السباق النووي بسرعة.

كما تنبع الشكوك الإسرائيلية من تاريخ طويل من إخفاء منشآت وأنشطة نووية لم يتم الإبلاغ عنها بالكامل للمفتشين الدوليين.

لبنان...

عنصر آخر يثير القلق هو العلاقة المحتملة بين الاتفاق والساحة اللبنانية.

فإيران تسعى إلى إدراج إنهاء جميع الصراعات الإقليمية، بما فيها لبنان، ضمن إطار التفاهمات.

وتؤكد أنها لن تقبل بأي وضع يتم فيه تقييد حرية عمل الجيش الإسرائيلي نتيجة اتفاق أميركي - إيراني.

ومع ذلك، تخشى اسرائيل أن تمارس واشنطن في المستقبل ضغوطاً على إسرائيل لضبط النفس تجاه «حزب الله» حتى لا يتعرض الاتفاق مع طهران للخطر.

في المقابل، هناك احتمال معاكس يتمثل في أن تشجع إيران، «حزب الله» على التوصل إلى تسوية في لبنان، كي تتمكن من التركيز على إعادة الإعمار الاقتصادي وترسيخ مكاسبها السياسية.

ويرى الإسرائيليون أن كلا الاحتمالين يمثل مشكلة.

فأي دعوات لضبط النفس، أو أي استعداد من الحزب للقبول بشروط الاتفاق والانتقال إلى شمال نهر الليطاني، ستضع إسرائيل أمام معضلة كبيرة، لأن التنظيم سيتمكن من إعادة بناء قوته، بينما سيبقى سكان الشمال من دون شعور بالأمان.

كما يُعتقد أن ترامب قد يحاول إغراء بنيامين نتنياهو بتوقيع اتفاق مع لبنان على عشب البيت الأبيض، وهو ما قد يشكّل هدية انتخابية مهمة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، رغم أن الحكومة اللبنانية ضعيفة وغير قادرة فعلياً على نزع سلاح «حزب الله».

وتشدّد إسرائيل في جميع الأحوال على أن الجيش «لن يتحرك من أي موقع في لبنان»، وأن أي إطلاق نار باتجاهها سيقابله هجوم على الضاحية الجنوبية لبيروت.

في المقابل، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن على إسرائيل الانسحاب من الأراضي التي احتلتها في لبنان.

وردت مصادر إسرائيلية بالقول «الانسحاب ليس مطروحاً حالياً. وإذا تم التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل ولبنان وتولى الجيش اللبناني السيطرة على مناطق بهدف تطهيرها من البنى التحتية الإرهابية، فستدرس إسرائيل الانسحاب، ولكن بصورة تدريجية ومشروطة، وليس الآن».

حرب الوعي والصورة

وربما تكون القضية الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لإسرائيل ليست عسكرية بل معنوية وإدراكية.

فبعد أشهر من المواجهة المباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، من المتوقع أن تقدم طهران أي اتفاق على أنه دليل على أن الغرب اضطر إلى أخذ مطالبها في الاعتبار.

ومن وجهة النظر الإسرائيلية، قد يؤدي ذلك إلى تآكل قوة الردع التي بُنيت على مدى سنوات.

وأوضح مسؤول إسرائيلي «علينا الحذر من اتفاق تكون الفرضية السائدة في المنطقة أنه وُقع تحت ضغط إيراني وانحناء أميركي، وليس العكس».

التحذيرات الإسرائيلية

ورأى مسؤول إسرائيلي أن «ترامب وجّه لنا ضربة. لقد وقعنا في المأزق. لم نعد ضمن دائرة التأثير ولا نستطيع التأثير فعلياً».

وأضاف: «نحن في حالة صدمة. أغرقوا الإيرانيين بالأموال، وهم يحصلون على كل ما يريدون. سيبنون قوة صاروخية، وسنضطر نحن إلى إنفاق أموال طائلة على منظومات الاعتراض. ترامب يتحاور مع الجميع إلا مع إسرائيل. يريد أن يطوي هذه الصفحة ويتقدم إلى الأمام. لقد سئم من الملف، ولا يوجد سبب حقيقي لانهيار المفاوضات».

في المقابل، قال مسؤول آخر إن هناك احتمالاً معقولاً ألا يتوصل الطرفان إلى اتفاق نهائي حتى بعد مذكرة التفاهم.

وأضاف «ترامب ليس (الرئيس السابق باراك) أوباما. هو يعتقد أنه قادر على انتزاع الملف النووي بالكامل، ومازال ملتزماً ذلك. نأمل أن تكون الأموال التي ستنقل إلى إيران، محدودة. وكلما لم يخفف ترامب العقوبات الاقتصادية، زادت قدرته على الضغط، وصعب على إيران التهرب. وكلما منحهم أموالاً أكثر، زادت محاولاتهم للخداع».

وأعلن مسؤول آخر انه لايزال متشككاً في شأن إمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي أو استمراره على المدى الطويل.

وأضاف: «أعتقد أن إيران شعرت بأنها تستطيع تحقيق مكاسب بالقوة، وستستخدم ذلك في المستقبل القريب ضد جيرانها وضدنا أيضاً. الاختبار الحقيقي للاتفاق، أو الحد الأدنى المطلوب لإنقاذ ماء وجه الغرب، هو إخراج اليورانيوم وتدميره. إذا لم يحدث ذلك، فإن الشعور بأنه اتفاق سيئ سيتحول إلى حقيقة ملموسة».

لابيد يهاجم نتنياهو

من جانبه، قال زعيم المعارضة يائير لابيد إن«الاتفاق هو فشل لنتنياهو... لا يحقّق أياً من أهداف الحرب الإسرائيلية. النظام الإيراني باقٍ، وبرنامج الصواريخ مستمر، وإيران قادرة على إعادة بناء برنامجها النووي. إنه فشل كامل لنتنياهو، وفي الطريق يحول إسرائيل إلى دولة تابعة تتلقى التعليمات في شأن أمنها القومي. لا مؤتمر صحافي ولا حملة إعلامية ولا فيديو بالذكاء الاصطناعي سيستطيع إخفاء هذا الفشل».