توصلت دراسة إلى أدلة تشير إلى أن أدمغة النساء أكثر عرضة للانحدار في مسارات تدهور ذهني أسرع وأشد مقارنة بأدمغة الرجال في مراحل عمرية معينة، لا سيما في الفترة المحيطة بسن انقطاع الطمث وما بعدها.
وأفاد التقرير بأن الدراسة التي نشرتها مجلة «إنك» الأميركية وأجراها فريق بحثي من جامعة «كورنيل» أثارت اهتماماً واسعاً في أوساط طب الأعصاب والصحة النسائية، واعتمدت على تحليل بيانات طولية امتدت لعقدين كاملين وشملت آلاف المشاركين من الجنسين.
وأوضحت الدراسة أن الباحثين رصدوا فارقاً ملحوظاً في سرعة تراجع بعض الوظائف الذهنية بين النساء والرجال، خصوصاً في مجالات الذاكرة اللفظية وسرعة المعالجة الذهنية والوظائف التنفيذية.
وأشارت النتائج إلى أن هذا الفارق لا يظهر بشكل جلي قبل منتصف العقد الخامس من العمر، لكنه يتسع تدريجياً مع التقدم في السن، ما دفع العلماء إلى تركيز اهتمامهم على الدور المحوري الذي تؤديه الهرمونات الأنثوية، وعلى رأسها الإستروجين، في حماية الخلايا العصبية ودعم اللدونة الدماغية.
وكشف التقرير عن أبرز الفرضيات العلمية التي تطرحها الدراسة لتفسير هذا الفارق بين الجنسين، وتشمل:
• فرضية «انسحاب الإستروجين»: التراجع الحاد في مستويات الإستروجين خلال فترة انقطاع الطمث يحرم الدماغ من حامٍ عصبي قوي كان يعزز تدفق الدم إلى مناطق الذاكرة ويحمي المشابك العصبية من التلف، ما يسرع وتيرة التدهور الذهني.
• فرضية «الحمل التناسلي»: أدمغة النساء تعرضت عبر التاريخ التطوري لضغوط استقلابية هائلة خلال فترات الحمل والرضاعة المتكررة، ما قد يكون استنزف احتياطيها الذهني وجعلها أكثر هشاشة في مواجهة تحديات الشيخوخة.
• فرضية «الفارق في الأمراض المصاحبة»: النساء أكثر عرضة للإصابة بأمراض المناعة الذاتية مثل التصلب المتعدد والذئبة، التي تؤثر مباشرة في الجهاز العصبي المركزي وتسرع التدهور الذهني.
• فرضية «التوزيع غير العادل للأعباء»: تراكم الإجهاد النفسي المزمن الناتج عن أدوار الرعاية المتعددة التي تضطلع بها النساء (أطفال، آباء مسنون، أسرة) قد يسرع شيخوخة الدماغ عبر آليات بيولوجية موثقة تشمل ارتفاع الكورتيزول وتقلص الحُصين.
ونقل التقرير عن الباحثة الرئيسية في الدراسة، الدكتورة ليزا موسكوني، تأكيدها أن هذه النتائج لا تعني «حتمية بيولوجية قدرية»، بل تسلط الضوء على الحاجة الملحة إلى تطوير إستراتيجيات وقائية وعلاجية تراعي الفروق بين الجنسين، بدلاً من التعامل مع صحة الدماغ بمنطق «مقاس واحد يناسب الجميع».
وأضافت موسكوني أن عوامل نمط الحياة القابلة للتعديل، مثل النظام الغذائي الغني بمضادات الأكسدة وأحماض الأوميغا 3، والنشاط البدني المنتظم، والتحفيز الذهني المستمر، وإدارة الإجهاد، والنوم الكافي، تظل أقوى الأسلحة المتاحة حالياً للحفاظ على الصحة الذهنية للمرأة عبر العقود المختلفة من عمرها.
وفي سياق متصل، أشار التقرير إلى أن الدراسة تفتح الباب أمام نقاش علمي أوسع حول جدوى استخدام العلاج الهرموني التعويضي، ليس فقط لتخفيف أعراض انقطاع الطمث، بل أيضاً كإستراتيجية وقائية عصبية محتملة للنساء في الفئات العمرية الأكثر عرضة للخطر.
غير أن الباحثين شددوا على أن هذا المسار لا يزال في مراحله الاستكشافية ويحتاج إلى تجارب سريرية محكمة قبل اعتماده كتوصية طبية رسمية.