في غضون يوم واحد فقط، انهارت الهدنة الهشة بين إسرائيل وإيران، لتحل محلها جولة عسكرية عنيفة لكنها محسوبة، أعادت فتح ملفات إستراتيجية شائكة اعتقد كثيرون أنها طويت إلى حين. فبين اغتيالات إسرائيلية في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، ورد إيراني بالصواريخ البالستية، وضربات إسرائيلية محدودة داخل الأراضي الإيرانية، أنهت واشنطن الجولة بوقف إطلاق نار مفروض. النتيجة: تل أبيب عالقة بين مطرقة «توحيد الساحات» الذي تصر عليه إيران، وسندان الضعف البنيوي المتمثل في تبعيتها المطلقة للقرار الأميركي.
وفي مشهد سياسي يعكس أعمق أزمة ثقة تشهدها إسرائيل منذ عقود، يجد بنيامين نتنياهو، نفسه محاصراً بين نارين: الأولى اشتعال جبهتي غزة ولبنان اللتين راهن عليهما لتعزيز صورته «القائد الحديدي»، والثانية خسارة حلفائه التقليديين في واشنطن، بينما تقترب ساعة الصفر لانتخابات خريف 2026 التي قد تحسم مصيره السياسي والقضائي معاً.
لم تعد استعارات «الكابوس» أو «الإخفاق» كافية لوصف حجم الانهيار الذي يعيشه اليمين بزعامة نتنياهو، وفق ما تؤكده استطلاعات الرأي الداخلية والخارجية، التي تسجل تراجعاً غير مسبوق في شعبيته حتى داخل معاقله اليمينية المتطرفة واليمين الصهيوني المتغول.
انهيار سردية «الرجل القوي»
بعد أن وعد الإسرائيليين بـ«نصر للأجيال» عقب السابع من أكتوبر 2023، يواجه نتنياهو، اليوم تهماً علنية من داخل مؤسسته الإعلامية والأمنية بأنه يقود «حرباً عبثية لا طائل منها».
ففي تحول دراماتيكي للخطاب، باتت الصحف العبرية تستخدم مفردات مثل «الاشمئزاز» و«الإرهاق الجماهيري» بدلاً من «الوحدة الوطنية» و«التفوق العسكري».
ويصف تحليل «هآرتس» للكاتب يوعنا غونين، تحول المزاج الإسرائيلي بعد أن تبين أن «النصر للأجيال» سراب، وأن الجولة العسكرية الحالية مجرد إعادة إنتاج للفشل السابق. وينقل غونين، تراجع شخصيات معارضة كانت متحمسة للحرب، مثل يائير غولان، الذي أعلن أن الحكومة «لا تملك تفويضاً لحرب أخرى»، وموشيه ردمان، الذي يحذر الآن من «الكاذبين والديماغوجيين الذين يروجون للمزيد من القصف».
ويلفت المحلل يوسي فيرتر (هآرتس) إلى أن خطاب نتنياهو، الأخير خلا من العبارات المتفاخرة، وأقرّ ضمنياً بالعودة إلى «سياسة الجولات» مع إيران، وهي الإستراتيجية ذاتها التي فشلت في غزة والشمال قبل السابع من أكتوبر 2023.
ويسخر فيرتر، من ادعاء رئيس الوزراء بوجود «محادثات جيدة» مع الرئيس دونالد ترامب، متسائلاً «إذا كان هذا حواراً جيداً، فكيف يبدو الحوار السيئ»؟ في إشارة إلى وصف ترامب، لنتنياهو بـ«المجنون» و«الناقم».
الحرب... إستراتيجية بقاء
في افتتاحية وصفتها بـ«الحرب العبثية» على لبنان، حذرت «هآرتس» من أن نتنياهو «يُشعل حربين من جديد (في غزة ولبنان) تحت غطاء وقف إطلاق نار خادع»، وذلك بهدف وحيد هو إطالة عمره السياسي وتأجيل محاكماته في قضايا الفساد.
«لا منتصر كالمعتاد»!
ويكتب المحلل بن كسبيت، في «معاريف» ملخصاً الوضع: «لا منتصر، كالمعتاد. إسرائيل: حققت إنجازات تكتيكية (اغتيالات، اختراق الأجواء)، لكنها فشلت في ترجمتها إلى واقع أمني أفضل أو ردع مستدام».
وفي مقال مركزي نشره معهد INSS مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، يعلن الجنرال السابق تمير هايمن، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية (أمان)، عن تحول جذري في بنية الصراع. ويقول: «بدلاً من أن يحمي حزب الله إيران بردع إسرائيل، باتت إيران هي من تحمي حزب الله. هذه مكافأة إستراتيجية من طهران على ولاء الحزب».
ويضيف أن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، الذي يخوض أول اختبار حقيقي له كقائد أعلى، يسعى إلى ترسيخ «ردع موسع» يمتد من لبنان إلى مضيق هرمز. التحذير الخطير هنا هو أن هذه الجولة، وإن بدت محدودة، قد تكون مجرد «فصل خامس» من حرب طويلة الأمد، تخرج منها إسرائيل بواقع أمني أسوأ مما كانت عليه.
هذا التحول جعل اليمين الإسرائيلي نفسه يدفع الثمن:
- انقسام المعسكر اليميني: تشير استطلاعات الرأي إلى أن كتلة الليكود والحريديم والصهيونية الدينية تواجه صعوبة في تجاوز عتبة الـ61 مقعداً، بعد أن كانت الحرب أداة لجمع الصفوف، أصبحت سبباً للتفكك بسبب غياب أي حلول استراتيجية.
- قانون «التوراة» الانتحاري: في خطوة وصفت بأنها «انتحارية» من قبل فيرتر، يدفع نتنياهو، بقانون يفصل بين طلاب المعاهد الدينية (المتهربين من الخدمة) وبين الجنود الذين يخوضون الحرب، ما يثير غضب الجمهور العلماني الذي يتحمل أعباء القتال.
تصدع محور واشنطن - تل أبيب
الخطر الأكبر الذي يواجهه نتنياهو، لا يأتي من غزة أو لبنان فقط، بل من أقوى حليف له: البيت الأبيض... وترامب المتقلب.
وكشف المحلل في موقع «اكسيوس» باراك رافيد أن ترامب، هدد نتنياهو، قائلاً: «عليك أن تكون حذراً وإلا تجد نفسك وحيداً في مواجهة إيران قريباً».
الخلاف الجوهري إستراتيجي: ترامب، يريد صفقة سلام مع إيران قبل انتخابات منتصف الولاية في نوفمبر المقبل، بينما نتنياهو، يحتاج إلى استمرار القصف (خصوصاً في لبنان) لإظهار «القوة» للناخبين قبل الانتخابات الإسرائيلية.
هذا التصادم قد يقيّد التفوق العسكري الإسرائيلي، ولاسيما مع استمرار استخدام القنابل الأميركية في قصف غزة ولبنان.
اللوبي اليهودي... والديمقراطيون
بعيداً عن البيت الأبيض، يعيش نتنياهو، كارثة في العمق الأميركي ... الشارع اليهودي والحزب الديمقراطي.
- بيانات «بيو للأبحاث» (Pew Research – ABC):
60 في المئة من البالغين الأميركيين لديهم نظرة غير مؤيدة لإسرائيل (ارتفاعاً من 53 %).
- الانهيار بين الشباب اليهودي (واشنطن تايمز – J Street):
66 في المئة من اليهود الديمقراطيين تحت 35 عاماً، قالوا إن تأييد «إيباك» لمرشح ما سيجعلهم أقل ميلاً لدعمه. هذا يمثل تحولاً جذرياً: لم يعد اللوبي قادراً على فرض الإجماع المؤيد للحكومة الإسرائيلية.
- شومر تحت الضغط:
يواجه زعيم الغالبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر (أكبر مسؤول يهودي منتخب) ضغوطاً متزايدة لوقف صفقات الأسلحة لإسرائيل، ما يعكس أن الضرر الذي ألحقه نتنياهو، تجاوز صورته الشخصية إلى قدرة اللوبي على حماية إسرائيل داخل الحزب الديمقراطي.
هل يقود نتنياهو إسرائيل نحو الهاوية؟
يبدو أن نتنياهو، وقع في فخ «مفارقة الحرب»: فبدلاً من أن يكون بطلاً قومياً ينقذ شعبيته، تحول إلى مصدر قلق لأميركا، وعبء على أجهزة الأمن، وإحراج لحلفائه.
في الأثناء، تعلق إسرائيل أنفاسها بين استطلاع رأي يظهر التراجع وآخر يحافظ على الجمود، وبين مكالمة هاتفية غاضبة من ترامب وانتخابات داخلية مرتقبة في سبتمبر 2026.
والسؤال الذي يطرحه فيرتر، يبقى مفتوحاً على مصراعيه: هل يعرف نتنياهو، شيئاً لا نعرفه، أم أنه مستعد لإغراق إسرائيل في الهاوية فقط ليكسب بضعة أسابيع إضافية في كرسي الحكم؟
التوقّع: هدن متقطعة وهشة، تتخللها جولات تصعيد قصيرة ومحدودة، يسعى خلالها كل طرف إلى تسويق «النصر» لجماهيره الداخلية، بينما يبقى الشمال اللبناني والملف النووي الإيراني قنبلتين موقوتتين تنتظران انفجاراً أكبر قد لا تجد واشنطن حيلة لاحتواء تبعاته.