ليست كل فرصة ضائعة مأساة، وليست كل خسارة سقوطاً. الإنسان وحده هو مَن يبالغ في تقديس اللحظة حتى يظن أن باباً واحداً إذا أُغلق انتهى معه العالم. والحقيقة أن الحياة أبرد من عواطفنا، وأكثر اتساعاً من هلعنا، وأذكى من استعجالنا.
كم من إنسان بكى لأنه لم يصل إلى منصب، ثم اكتشف لاحقاً أن ذلك المنصب كان مقصلة مغطاة بالمخمل. وكم من شخص تحسّر على علاقة انتهت، ثم فهم بعد سنوات أن نجاته كانت في الرحيل لا في البقاء.
بعض الأمنيات حين لا تتحقق، لا تكون خذلاناً... بل رحمة مؤجلة الفهم.
المجتمع منذ قرون، يربّي الإنسان على فكرة قاتلة:
«إما أن تنجح بالصورة التي يريدها الناس... أو فأنت مشروع فشل».
لهذا ترى البشر يلهثون خلف الصور لا الحقائق؛ خلف الضجيج لا الطمأنينة؛ خلف التصفيق لا السلام الداخلي. حتى أصبحت حياة البعض مسرحاً عاماً، لا روحاً حقيقية. يشتري ما لا يحتاج، ويجالس من لا يشبهه، ويقاتل لأجل فرص لا يريدها أصلاً... فقط حتى لا يبدو «خاسراً» في أعين الآخرين.
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية:
حين يعيش الإنسان عمره كاملاً تحت احتلال نظرة الناس.
التاريخ نفسه مليء بالإسقاطات التي تفضح هذه الفكرة. الإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس، كان يملك نصف العالم، لكنه كتب في تأملاته أن الإنسان يفنى إذا أصبح أسيراً لآراء الآخرين. بينما الفيلسوف ديوجانس الكلبي، عاش في فقرٍ مدقع، لكنه كان أكثر حرية من ملوك عصره لأنه لم يسمح لأحد أن يتحكم بقيمته الداخلية.
الإنسان الحديث، للأسف، لم يعد يقيس نجاحه براحة قلبه، بل بحجم انبهار الناس به. لذلك انتشرت الكآبة رغم الرفاه، وازداد القلق رغم كثرة الفرص. لأن كثيراً من البشر لا يعيشون حياتهم... بل يعيشون مقارنة دائمة مع حياة الآخرين.
يخاف أن ينسحب من علاقة مؤذية لأن المجتمع لقّنه أن «الرفيق ما ينعاب».
ويستنزف عمره مع أشخاص يحطمونه نفسياً لأن الموروث الشعبي قال له: «الجار قبل الدار».
ويجامل حتى الاختناق، ويصبر حتى الاحتراق، ثم يكتشف متأخراً أنه كان يدفن نفسه حيّةً باسم الأخلاق والعادات.
لكن القرآن الكريم كان أكثر صراحة من كل الشعارات الاجتماعية المعلبة. لم يُجمّل الطبيعة البشرية، ولم يرسم العلاقات وكأنها فردوس دائم. بل تحدّث عن الحسد والخيانة والعداوة، حتى داخل البيت الواحد، قال تعالى:
﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾.
هذه الآية ليست دعوة للكراهية، بل صفعة وعي. تذكير بأن الإنسان يجب أن يرى الحقيقة كما هي، لا كما يحب أن يتخيّلها.
انظر حولك...
كم من شخص ضحّى بنفسه لأجل الجميع، ثم تُرك وحيداً عند أول سقوط.
وكم من إنسان عاش لنفسه بسلام، فاتهمه الناس بالأنانية، لكنه كان أكثرهم اتزاناً وسعادة.
الحياة ليست محكمة لإرضاء البشر.
الحياة فرصة قصيرة جداً لتعيش بكرامة نفس، لا بعذاب دائم.
راقب «عدّاد عمرك».
كل يوم يمر لن يعود.
كل ساعة تُهدر في المهاترات، والحسد، وإثبات الذات، واستنزاف الروح... هي قطعة تُقتطع من حياتك بلا رحمة.
لذلك، حين تضيع فرصة، لا تنحنِ وكأن الكون انتهى. ربما كانت تلك الفرصة مجرد باب صغير، بينما الحياة تخبئ لك باباً أعظم، أكثر هدوءاً وأكثر نضجاً وأقل صخباً.
ليس كل ما يلمع يستحق الركض خلفه.
وليس كل ما يفوتك يستحق البكاء عليه.
أحياناً تكون أعظم قوة يملكها الإنسان...
أن يقول للحياة بكل هدوء:
«لن أركض خلف ما لا يشبه روحي».
X: jzabandr