تشهد الكويت تحولاً هيكلياً في قطاعها العقاري مع دخول نموذج «المطور العقاري» حيز التنفيذ بعد إقراره تشريعياً في أغسطس 2025، وذلك ضمن توجه إستراتيجي لإعادة صياغة منظومة الإسكان وتحويلها من نموذج يعتمد على التنفيذ الحكومي المباشر إلى نموذج شراكة متكامل مع القطاع الخاص.
ويأتي هذا التحول في ظل ضغط إسكاني متراكم يتجاوز 100 ألف طلب إسكاني على قوائم الانتظار، ما يعكس فجوة ممتدة بين حجم الطلب والقدرة الإنتاجية التقليدية، ويدفع نحو تبني أدوات تطوير أكثر مرونة وكفاءة في إدارة الأراضي والمشاريع السكنية.
ويرتكز النموذج الجديد على حزمة مشاريع كبرى يُتوقع أن تعيد رسم الخريطة العمرانية في الكويت، بإجمالي يصل إلى نحو 170 ألف وحدة سكنية موزعة على مشاريع إستراتيجية أبرزها الصابرية ونواف الأحمد والخيران.
وتمتد هذه المنظومة لتشمل أيضاً مشاريع داعمة ضمن خطة التوسع الإسكاني، من بينها المطلاع «M-3»، وشرق وغرب مدينة سعد العبدالله «ESA-1 وWSA-1»، إلى جانب محور جابر الأحمد الخدمي.
وتشكل هذه المشاريع مجتمعة قاعدة الإنشاء الرئيسية للوحدات السكنية المستقبلية، ضمن رؤية تستهدف إنشاء مدن متكاملة خارج النطاق الحضري التقليدي، بما يسهم في إعادة توزيع الكثافة السكانية وتحقيق توازن عمراني أكثر استدامة.
استثمار طويل الأجل
ويعتمد هذا التحول على نموذج استثماري طويل الأجل يمتد إلى 30 عاماً، موزعة بين 4 سنوات للإنشاء والتطوير، و 26 سنة للتشغيل والاستثمار والصيانة، ويمثل هذا الإطار انتقالاً من مفهوم بناء الوحدات السكنية التقليدية إلى تطوير مدن متكاملة تُدار بمنطق استثماري مستدام، يدمج بين التطوير العقاري والإدارة التشغيلية طويلة المدى.
سيولة مصرفية
وعلى الصعيد المالي، يستند النموذج الجديد إلى قاعدة مصرفية قوية تمتلك سيولة تتجاوز 5 مليارات دينار قابلة للتوظيف في مشاريع الإسكان والتطوير العقاري.
وإن هذا الحجم من السيولة يفتح المجال أمام توسع في التمويل العقاري طويل الأجل، وتطوير أدوات تمويل مرتبطة بالمشاريع السكنية
وتعزيز دور البنوك في تمويل التنمية العمرانية إلى جانب دعم دور القطاع المصرفي في دعم الاقتصاد غير النفطي عبر توجيه السيولة نحو أصول إنتاجية مستدامة.
فرص استثمارية
وتشير المؤشرات التنفيذية إلى بدء تفعيل النموذج عملياً عبر توقيع 3 فرص استثمارية أولية للمطورين العقاريين حيث يمثل ذلك انتقالاً واضحاً من الإطار التشريعي إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، بما يعكس دخول المنظومة الجديدة في دورة الإنتاج العقاري.
ومن المتوقع أن يسهم ضخ 170 ألف وحدة سكنية في تخفيف الضغط المتراكم على منظومة الإسكان، وإعادة التوازن التدريجي بين العرض والطلب.
وبحسب خبراء في السوق العقاري فإن نموذج المطور العقاري يفتح المجال أمام تنشيط القطاع المالي بشكل أعمق، من خلال توظيف السيولة المصرفية الكبيرة في مشاريع طويلة الأجل، وتعزيز دور البنوك في التمويل التنموي، إلى جانب جذب رؤوس الأموال المؤسسية والصناديق الاستثمارية الباحثة عن فرص مستقرة ضمن إطار تنظيمي واضح وعقود ممتدة.
ولفتوا إلى ان المشاريع المطروحة مجتمعة ستوسع قاعدة الإنتاج الرئيسية للوحدات السكنية المستهدفة، حيث يتم تطويرها وفق نموذج المدن المتكاملة الذي يجمع بين القسائم السكنية والبيوت الجاهزة والشقق والمجمعات السكنية، بما يتيح توزيعاً أكثر مرونة للعرض السكني وتلبية احتياجات شرائح متعددة من المواطنين ضمن رؤية تطوير عمراني طويلة الأمد.
السوق العقاري
وتوقعوا أن يسهم هذا النموذج في تقليص فجوة الطلب السكني عبر ضخ كميات كبيرة من الوحدات بما يخفف الضغط المتراكم على منظومة الإسكان، كما يؤدي إلى إعادة هيكلة السوق العقاري عبر الانتقال من نموذج التنفيذ الحكومي إلى سوق تطوير تنافسي، يرفع جودة المشاريع ويزيد تنوع المنتجات السكنية، من القسائم إلى الشقق والمجمعات والفلل المتلاصقة.