«لو فاتك الزاد... قل للأكالة هني»

13 مايو 2026 11:30 م

ليست كل الحكم تُكتب في كتب الفلاسفة، بعضُها يخرج من أفواه البسطاء فيبدو عابراً، بينما يحمل في داخله فهماً عميقاً للنفس البشرية. والمثل العراقي الذي يقول: «لو فاتك الزاد... قل للأكالة هني» ليس حديثاً عن الطعام بقدر ما هو حديث عن الأخلاق حين تتأخر الأرزاق، وعن الرضا حين يسبقك الآخرون إلى مائدة الحياة.

فالحياة لا تمنح الجميع الفرص بالوقت ذاته. هناك من فتحت له الأبواب مبكراً، فنال وظيفة مرموقة، أو بنى بيت أحلامه، أو اشترى سيارة فارهة بعد سنوات من التعب، أو حجز تذكرة إلى أقاصي الأرض ليصالح روحه قليلاً مع ضجيج العمر. وهناك من تأخر نصيبه، أو خانته الظروف، أو اصطدم بواقع أقسى من أحلامه. وهنا يظهر الفرق بين الإنسان النبيل والإنسان الممتلئ بالمرارة.

النبيل يقول: «ما شاء الله... الله يهنيه ويبارك له».

أما الحاسد، فلا يستطيع أن يرى نعمة إلا ويحاول تحويلها إلى خطأ أخلاقي.

فإذا اشترى شخص سيارة جميلة قال له: «ليش هالتبذير؟»، وإذا بنى بيتاً واسعاً قال: «شنو هالمبالغة والتفاخر؟»، وإذا سافر ليستمتع بحياته قالوا: «في دول أرخص... ليش الإسراف؟».

وكأن بعض الناس لا تؤلمهم النعمة نفسها، بل يؤلمهم أن غيرهم استطاع الوصول إليها.

المشكلة أن الحسد الحديث لم يعد يأتيك بوجهه الحقيقي، بل يرتدي قناع الحكمة والإصلاح والخوف عليك. يأتيك الحاقد متقمصاً دور «الناصح»، بينما هو في داخله غير قادر على تقبل فكرة أن أحداً يعيش حياة أجمل مما يتمنى لنفسه.

وهنا تكمن خطورة المقارنات الاجتماعية؛ حين يتحول نجاح الآخرين إلى استفزاز شخصي، وتصبح فرحة الناس مادة للتحليل والتشكيك والتقليل. البعض لا يرى تعبك الطويل، ولا سنوات الكفاح، ولا الحرمان الذي سبق لحظة الراحة، بل يرى النتيجة فقط... ثم يبدأ بمحاكمتك عليها.

في المجتمعات السليمة، نجاح الفرد يُلهم الآخرين.

أما في المجتمعات المرهقة نفسياً، فإن نجاح الفرد يستفز الآخرين.

ولهذا كثرت العيون الممتلئة بالغل، لا لأنها محرومة دائماً، بل لأنها اعتادت النظر لما في أيدي الناس أكثر من نظرها لما في داخلها. الإنسان الراضي قد لا يملك الكثير، لكنه يملك سلاماً داخلياً يجعله يفرح للناس وكأن النعمة أصابته هو. بينما الحاسد، حتى لو امتلك نصف الدنيا، يبقى ناقصاً من الداخل.

الحياة ليست معركة لإطفاء أنوار الآخرين حتى نشعر أننا نلمع.

وليست بطولة أن تُفسد فرحة أحد بتعليق ساخر أو موعظة متعالية أو نقد متنكر في لباس الفضيلة.

أحياناً، كل ما يحتاجه الإنسان منّا هو كلمة جميلة، دعوة صادقة، أو ابتسامة خالية من السموم.

ولهذا يبقى المثل العراقي أكثر رقياً من كثير من الخطب الطويلة:

«لو فاتك الزاد... قل للأكالة هني».

فإن لم تكن من أصحاب النصيب اليوم، فلا تكن من أصحاب الحقد.

بارك للناس، فالأرزاق دوّارة، والقلوب النظيفة وحدها التي تنام مرتاحة مهما تأخرت موائدها.

X: jzabandr