لا يخفى على أحد منا أنه مهما كان شأننا، ومهما كانت قدراتنا، فإننا في النهاية جزء من كل، وهذا الكل ذو أبعاد محلية وإقليمية وعالمية، ومتوقف على فهم تلك الأبعاد على النحو الصحيح.
ويعتمد على فهم الذات وشروط فاعليتها ورشد حركتها، إلا أن عملية الفهم ليست سهلة أو ميسّرة لمعظم الناس، حيث إنها تعتمد على امتلاك منهجية مناسبة، وإطار فكري ناضج.
نحن هنا نتحدث عن الناس وعلاقاتهم بالعوالم المختلفة، ونتحدث عن علاقتهم بعضهم مع بعض، وليست الحديث عن العالم الطبيعي المادي المحسوس، كما أننا نتحدث عن علاقتهم بتاريخهم وتراثهم وزمانهم، وما فيه من أحداث ووقائع. ونحن عندما نتحدث عن هذه الأمور نحتاج إلى تخفيض ما لدينا من ثقة بما نمتلكه من منهجيات وطرق وأساليب التفكير، ونحتاج إلى مراجعة بعض البدهيات التي نؤمن بها، وكذلك بعض الانطباعات الراسخة والمؤكدة لدينا، وذلك لأن كل ما نحاول فهمه واستيعابه لا يمضي على نظم حازمة وفي مسارات مقيدة، وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يجب علينا أن نعتمد أسلوب الفهم المتعدد، قد يكون فلان من الناس صادقاً وأميناً، ولكن لا يمكن لنا أن نتجاهل إمكانية وقوعه في الكذب، أو شيء من الخيانة، بسبب نقطة ضعف لديه، أو بسبب ضغوط شديدة فرضت عليه، أو بسبب سوء التقدير.
كذلك نحتاج إلى تخفيف درجة الوثوق بنظرتنا إلى المستقبل، فقد تقع أحداث خارجة عن إرادة البشر، تجعل كل حساباتنا في مهب الريح، لأننا نحن لا نعالج قضايا منظمة بعيدة عن الفوضى والمصادفة والحالات الطارئة، ونقصد بالمصادفة هنا أن كثيراً من الأحداث تقع مصادفة بالنسبة إلى الإنسان، حيث سوء التقدير والجهل بما هو قادم من غير حدود، لأن الله سبحانه خالق كل الأشياء والعالم بها ولا شيء منها خلق مصادفة. وإنّ العقل البسيط هو الذي يتعامل مع الأمور المعقدة بالقطع والجزم، عوضاً عن التعامل معها وفق رؤى محتملة تمليها علينا المعطيات والظروف السائدة، أي من خلال رؤى ومنهجيات متجددة وموصولة بالمنطق والسنن الربانية في الخلق.
لم يبق إلا أن نقول: في الحقيقة نحن لا نستطيع أن نمتلك رؤية متعالية على الزمان الذي نعيش فيه، ولا نستطيع أن ننظر إلى جلّ الأشياء والأحداث بعيداً عن تأثيرات المجتمع الذي نعيش فيه. على الرغم من أن لكل واحد منا ميلاً قوياً إلى الزعم بأنه يفكر تفكيراً حراً متجرداً، إلا أنه ينصدم بالحقيقة التي ذكرناها سابقاً. كما أنّ قوة الوعي تكمن في وعينا بأساليب تفكيرنا، وتأثير الثقافة السائدة فيها، وإنّ قمة النقد تكمن في تبصرنا بقصور تلك الأساليب، وحاجتها إلى التجديد المستمر. ولا شيء يساعدنا على فهم العالم الراهن، والتاريخ الفائت، مثل تحمل مسؤولية الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الوضع الحالي للأمة، ولكن للأسف معظم الناس لا يملكون الطاقة الروحية لاستقبال الأسئلة المهمة، ولا يملكون الرغبة للإجابة عنها، مع أن أدوات الاستفهام تشكل جنوداً للفهم، لأنها تساعدنا على البحث في خبايا الذاكرة، وتستحث الدماغ على إطلاق العنان للخيال، واستحضار الأشكال والأنماط المختلفة التي يمكن الاستفادة منها في الإجابة عن ما يرد إلينا من تساؤلات، ولا أحد منا ينكر أنها هي وحدها القادرة على تحريك الأذهان والأفكار وتوليد النقاشات المثمرة في قضايا تعترضنا سواء كانت من قضايا التحضر أو التخلف، وهذا ضروري جداً لفهم العالم.
mona_alwohaib@