بعد مرور 10 أعوام على صدور الأمر الملكي بإنشاء الهيئة العامة للترفيه السعودية في عام 2016، تمضي الهيئة في مسيرتها بثبات، لتشكّل مرحلة جديدة تُتوّج عقدًا كاملًا من التحول والبناء وصناعة الأثر، ضمن منظومة متكاملة أعادت صياغة قطاع الترفيه في المملكة العربية السعودية، ونقلته إلى مستويات أكثر تنظيما ونضجا واتساعا.
ومثّلت الأعوام الأولى مرحلة تأسيس محورية، حيث تركّزت الجهود على وضع الأطر التنظيمية، وتهيئة البيئة الاستثمارية، إلى جانب تطوير المعايير التي تضبط الأداء وترفع جودة المخرجات.
وفي هذا السياق، عملت الهيئة على بناء قاعدة صلبة للقطاع، من خلال تنظيم الأنشطة، وإطلاق التراخيص، وتعزيز التكامل بين الجهات، وتمكين المستثمرين، بما أسهم في تأسيس قطاع ترفيهي واضح المعالم، قادر على النمو والاستدامة.
ومع اكتمال ملامح هذه المرحلة، بدأت مخرجات التأسيس بالظهور تدريجيًا، لتتحول الخطط إلى واقع ملموس، وتتشكل منظومة متكاملة يقاس أثرها بالأرقام، وتنعكس نتائجها في تنوع التجارب، واتساع نطاق الفعاليات، وتزايد إقبال الجمهور، بما يعكس نجاح مسار البناء والتحول الذي شهدته الهيئة منذ انطلاقتها وحتى اليوم.
وفي عام 2018، تم تعيين المستشار تركي بن عبدالمحسن آل الشيخ رئيسًا لمجلس إدارة الهيئة، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل المنهجي، حيث وُضعت الرؤية، وأُطلقت المبادرات، وتحولت الخطط إلى واقع يُقاس بمنجزاته ومؤشراته.
وعلى أرض الواقع، تشكّلت مناطق ترفيهية متكاملة أسهمت في صياغة تجربة جديدة، وتنوّعت الفعاليات بين محافل احتفت بالإبداع وصنّاعه، وتجارب قريبة من الناس لامست مختلف الاهتمامات، لتُحدث تحولًا محوريًا في مفهوم الترفيه، وتعزّز حضور الفعاليات في حياة المجتمع، وتمنح المواطن والمقيم والزائر خيارات أوسع وتجارب أكثر تنوعًا.
وفي عام 2019، أطلقت الهيئة مبادراتها التي تم تحقيقها بالكامل، لتؤكد قدرتها على تحويل الرؤى إلى منجزات ملموسة، ليشهد القطاع تنفيذ أكثر من 60 موسمًا وبرنامجًا ترفيهيًا، واستقطاب ما يزيد على 320 مليون زائر حتى الآن، إضافة إلى وصول عدد الشركات التي تم دعمها من خلال برامج الترفيه لأكثر من 650 شركة، في مؤشر يعكس حجم التوسع والنمو الذي شهده القطاع خلال فترة زمنية قصيرة.
ومع هذا التوسع، أصبحت التقنية ركيزة أساسية في أعمال الهيئة، من خلال منظومة حلول رقمية متكاملة أسهمت في رفع كفاءة التشغيل، وتعزيز سرعة ودقة اتخاذ القرار، وتقديم تجربة أكثر سلاسة واستدامة لكافة الأطراف.
وفي هذا الإطار، برزت «بوابة الترفيه» كأحد أبرز ممكنات التحول الرقمي في القطاع، حيث شكّلت منصة موحدة تُسهّل رحلة المستثمرين والمنظمين، بدءًا من تقديم الطلبات وإصدار التراخيص، مرورًا بإدارة الفعاليات والامتثال للمعايير، وصولًا إلى متابعة الإجراءات بشكل إلكتروني وبربط متكامل مع عدد من الجهات ذات العلاقة.
وأسهمت هذه المنظومة الرقمية في تبسيط العمليات، وتقليل الوقت والجهد، ورفع مستوى الشفافية، إلى جانب تحسين تجربة المستخدم، سواء من المستثمرين أو الشركاء أو الجهات ذات العلاقة، بما يدعم بناء بيئة أعمال أكثر كفاءة ومرونة.
وتعكس هذه الجهود توجه الهيئة نحو توظيف التقنية كأداة لتطوير القطاع، وتمكين نموه، وضمان استدامة عملياته وفق أفضل الممارسات العالمية.
ومن ناحية أخرى، أرست الهيئة مبدأ التكامل بين الجهات، من خلال بناء شراكات محلية ودولية استراتيجية، أسهمت في تناغم الأدوار وتكاتف الجهود، وتحويل الطموحات إلى مشاريع واقعية وقصص نجاح مستدامة.
وفي هذا السياق، عززت الهيئة حضورها الدولي عبر شراكات نوعية مع منظمات عالمية متخصصة، من أبرزها IAAPA، حيث مثّلت هذه الشراكة خطوة مهمة نحو نقل الخبرات العالمية وتطوير معايير صناعة الترفيه في المملكة.
واحتضنت الرياض، بالشراكة مع المنظمة، فعاليات المؤتمر الدولي للترفيه، الذي أقيم في نسختين، وجمع نخبة من الخبراء وصنّاع القرار والمستثمرين من مختلف دول العالم، في منصة مهنية رفيعة المستوى ناقشت أحدث التوجهات في القطاع، واستعرضت فرص الاستثمار والتطوير، وأسهمت في تعزيز موقع المملكة كمركز إقليمي وعالمي لصناعة الترفيه.
وفي جانب تمكين القطاع، سجلت الهيئة أكثر من 38,000 نشاط ترفيهي مرخّص، إلى جانب تنفيذ أكثر من 250,000 زيارة رقابية، في إطار منظومة تنظيمية تهدف إلى تعزيز الامتثال، ورفع كفاءة الشركات العاملة بالقطاع، إضافة إلى ضمان جودة التجارب المقدمة.
ومنذ تأسيسها، تبنّت الهيئة نهجًا يرتكز على خدمة المجتمع وتنمية رأس المال البشري، حيث عملت على تمكين الطاقات الوطنية من أبناء وبنات الوطن، وصقل المهارات، وبناء بيئة مهنية يقودها نخبة من الخبراء والمختصين، من خلال برامج متخصصة، أبرزها برنامج «قادة الترفيه» الذي يؤهل القياديين في قطاع الترفيه بالمملكة ويطور مهاراتهم، ومبادرة “صناع السعادة”، التي أسهمت في تدريب أكثر من 140,000 متدرب، وتنفيذ أكثر من 1,150 ورشة وجلسة إرشادية.
وعلى صعيد الابتكار والتطوير، برزت منصة «عيشها» كأحد أبرز الممكنات الرقمية التي أطلقتها الهيئة، حيث حققت حضورًا لافتًا وتفاعلًا واسعًا، بتجاوزها 50 مليون تفاعل، إلى جانب بناء قاعدة جماهيرية تضم أكثر من 3.5 مليون متابع.
وتعكس هذه الأرقام حجم الإقبال على المنصة ودورها المؤثر في تنشيط المشهد الترفيهي، وتعزيز الوصول إلى الفعاليات، وترسيخ حضورها كأحد أهم القنوات الرقمية الداعمة للقطاع في المملكة.
وفي إطار التميز المؤسسي، حصدت الهيئة 10 شهادات ISO، وحققت أكثر من 30 رقمًا قياسيًا عالميًا في موسوعة غينيس، في دلالة على التزامها بأعلى المعايير المهنية وقدرتها على تقديم تجارب نوعية بمعايير عالمية.
وتشمل هذه الشهادات مجالات متعددة تعكس شمولية التطوير المؤسسي، من بينها: إدارة المحافظ والبرامج، وإدارة المشاريع، ونظام إدارة الجودة، ونظام إدارة الامتثال في المشتريات، وأمن المعلومات، بما يعكس تبني الهيئة لأفضل الممارسات العالمية في إدارة الأعمال وتعزيز الكفاءة التشغيلية.
وجاءت الأرقام القياسية في موسوعة غينيس نتيجة للتميز والتفرد في عدد من البرامج والمشاريع والفعاليات التي أقامتها الهيئة، والتي تميزت بحجمها، وابتكارها، وتأثيرها، في تأكيد واضح على قدرة الهيئة على تنفيذ تجارب استثنائية تتجاوز النطاق التقليدي وتحقق حضورًا عالميًا لافتًا.
وأسهمت هذه الجهود في تحقيق حضور إعلامي واسع، مدعوم بزخم رقمي كبير وانتشار عالمي متنامٍ، حيث تجاوز الوصول العالمي 1.4 مليار، فيما تخطت المشاهدات 1.9 مليار مشاهدة، في مؤشر يعكس حجم الاهتمام والمتابعة للمحتوى الترفيهي الذي تقدمه الهيئة.
وسجّل التفاعل أكثر من 47 مليون تفاعل، مع نشر ما يزيد على مليون منشور تفاعلي، إلى جانب قاعدة جماهيرية تجاوزت 5 ملايين متابع عبر المنصات المختلفة، ما يعكس قوة الحضور الرقمي واتساع دائرة التأثير.
وعلى صعيد التغطيات الإعلامية، استضافت الهيئة أكثر من 15 ألف زيارة إعلامية، ما أسهم في نقل الصورة بشكل مباشر إلى مختلف وسائل الإعلام العالمية، وعزز حضور المملكة في المشهد الترفيهي الدولي، ورسخ مكانتها كوجهة رئيسية لصناعة الترفيه.
واستقطبت الهيئة نخبة من أبرز الفعاليات والعلامات الترفيهية العالمية، التي أسهمت في إثراء المشهد وتنوع محتواه، حيث شهدت استضافة عروض عالمية كبرى مثل سيرك دو سوليه، وتجارب ترفيهية مستوحاة من عالم ديزني، إلى جانب فعاليات رياضية وترفيهية بارزة مثل (WWE) و(UFC).
واحتضنت المملكة فعاليات جماهيرية متنوعة، من بينها مهرجان الرياض للكوميديا، وفعاليات هاري بوتر التفاعلية، ومهرجان اوتليت الرياض، إضافة إلى فعاليات نوعية مثل «Riyadh Homecoming»، التي أسهمت في جذب جمهور واسع من داخل المملكة وخارجها.
وتعكس هذه الفعاليات حجم التنوع الذي يشهده القطاع، وقدرته على استقطاب تجارب عالمية تلبي مختلف الاهتمامات، وتعزز من مكانة المملكة كوجهة رئيسية للترفيه.
ومن جانب آخر، برزت مبادرات نوعية عززت من تنوع المحتوى، من بينها مشروع «على خُطاه»، الذي يُعيد إحياء الدرب التاريخي للهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، عبر مسار يمتد لنحو 470 كيلومترًا، ويضم 41 معلمًا تاريخيًا، في تجربة تفاعلية متكاملة.
ويشمل المشروع 5 مواقع تفاعلية تروي قصة الهجرة، إلى جانب 7 محطات مبيت صُممت لمحاكاة الرحلة التاريخية وتقديم تجربة غامرة للزائر.
ويوفر المشروع بنية متكاملة تدعم تجربة الزائر، تشمل أكثر من 180 مطعمًا ومتجرًا، وبطاقة استيعابية تتجاوز 30 ألف زائر، مع استهداف استقبال أكثر من مليون زائر، إضافة إلى إسهامه في توفير أكثر من 25 ألف فرصة وظيفية.
ويُقدَّم المشروع كوجهة ثقافية وإنسانية مفتوحة للعالم، تتيح للزوار من مختلف الخلفيات التعرف على هذه الرحلة التي غيرت مسار التاريخ.
وفيما يتعلق بالمبادرات الثقافية النوعية، أطلقت الهيئة جائزة القلم الذهبي للأدب الأكثر تأثيرًا، التي تستهدف تكريم الأعمال الأدبية ذات الانتشار والتأثير في العالم العربي، ودعم الكتّاب وتحفيزهم على إنتاج محتوى نوعي.
وتمتاز الجائزة بربط الأدب بالصناعة الإبداعية، من خلال تحويل الأعمال الفائزة إلى إنتاجات سينمائية، حيث يبلغ إجمالي جوائزها نحو 740 ألف دولار، موزعة على عدة مسارات تشمل الرواية، والسيناريو، والجوائز الكبرى.
وإلى جانب ذلك، برزت ديوانية القلم الذهبي كمساحة ثقافية تفاعلية تجمع الكتّاب والمثقفين، لتبادل الأفكار ومناقشة القضايا الأدبية بأسلوب معاصر، بما يسهم في إثراء المشهد الثقافي، وتعزيز حضور الأدب ضمن منظومة الترفيه في المملكة.
وفيما يخص البرامج العالمية، قدّمت الهيئة برنامج «عطر الكلام»، الذي يُعد من أبرز المسابقات العالمية في تلاوة القرآن الكريم ورفع الأذان، حيث استقطب أكثر من 50 ألف مشارك من مختلف أنحاء العالم، وتم تقديمه عبر نسختين حققتا حضورًا واسعًا وأثرًا لافتًا على المستويين الإعلامي والمجتمعي.
وأسهم البرنامج في تحقيق 6 أرقام قياسية في موسوعة غينيس، شملت: كونه أكبر مسابقة لتلاوة القرآن الكريم من حيث عدد المشاركين، وأكبر مسابقة لرفع الأذان من حيث عدد المشاركين، وأكبر مسابقة لتلاوة القرآن من حيث مجموع الجوائز، وأكبر مسابقة لرفع الأذان من حيث مجموع الجوائز، إضافة إلى تحقيق أكبر جائزة مالية لمسابقة تلاوة القرآن الكريم، وأكبر جائزة مالية لمسابقة رفع الأذان.
ويعكس هذا الإنجاز حجم التأثير الذي حققه البرنامج، وقدرته على تقديم نموذج إعلامي يجمع بين البعد القيمي والانتشار العالمي، في صورة تُبرز مكانة المملكة وريادتها في تقديم محتوى نوعي يصل إلى مختلف الثقافات.
وعلى صعيد الرياضات العالمية، أعادت الهيئة رسم مشهد الملاكمة من خلال شراكات استراتيجية مع أبرز الجهات الدولية، حيث ساهمت في تقديم سلسلة من النزالات الكبرى التي استقطبت أنظار العالم، وأسهمت في إعادة بريق اللعبة وزخمها الجماهيري.
وامتد الحضور إلى الساحة العالمية، من خلال تنظيم نزالات كبرى في مواقع دولية بارزة، من بينها «نزال القرن» الذي جمع الملاكم الأميركي تيرينس كروفورد والملاكم المكسيكي ساؤول كانيلو ألفاريز في لاس فيغاس بالولايات المتحدة الأميركية، في تأكيد على الحضور المتنامي وتأثير هذه الشراكات خارج حدود المملكة.
وحققت هذه النزالات نجاحات بارزة على مستوى الحضور والمشاهدة، حيث تجاوزت المشاهدات العالمية لـ«نزال القرن» 41 مليون مشاهد، فيما تخطى الحضور الجماهيري 70 ألف متفرج، في انعكاس مباشر لحجم الإقبال العالمي، وقوة المحتوى الرياضي الذي تقدمه الهيئة، وقدرتها على تنظيم أحداث تضاهي أكبر الفعاليات العالمية من حيث التنظيم والتأثير.
وشهد قطاع الترفيه بالمملكة إطلاق 6 نسخ من موسم الرياض منذ انطلاقه لأول مرة في عام 2019، والتي حققت نجاحات متصاعدة جعلت منه أحد أبرز مواسم الترفيه على مستوى العالم، حيث تحوّل خلال فترة وجيزة إلى علامة بارزة تستقطب أقوى الأسماء والعلامات في صناعة الترفيه عالميًا.
وانعكس هذا النجاح في وصول القيمة التقديرية للعلامة التجارية لموسم الرياض إلى 3.2 مليار دولار، في دلالة على حجم حضوره وتأثيره المتنامي، وقدرته على تقديم تجارب استثنائية تجمع بين التنوع والجودة والابتكار.
وإلى جانب ذلك، برزت فعالية «Joy Awards» كإحدى أبرز الفعاليات المصاحبة للموسم، حيث شهدت تنظيم عدة نسخ متتالية حققت حضورًا جماهيريًا وإعلاميًا واسعًا، مع مشاركة نخبة من النجوم العرب والعالميين، لتُرسّخ مكانتها كحدث سنوي منتظر في قطاع الترفيه.
وسجّلت نسخة 2026 وصولًا إعلاميًا تجاوز 20 مليار، في انعكاس واضح لحجم الانتشار العالمي والزخم الذي تحققه الفعالية، وما تمثله من قيمة مضافة للمشهد الترفيهي في المملكة والمنطقة.
وفي إطار المشاريع النوعية، شهدت المملكة تدشين مدينة ترفيهية متكاملة «بيست لاند» بالتعاون مع صانع المحتوى العالمي (MrBeast)، في خطوة تعكس التوجه نحو تطوير تجارب ترفيهية مبتكرة تستهدف الجمهور العالمي.
وإلى اليوم، تستمر المسيرة بخطى واثقة ومتزنة، مدفوعة برؤية واضحة وتجربة تراكمية ثرية، عبر مشاريع تنمو وتتسع، وأفكار تُطوّر بعناية وتتحول إلى واقع ملموس، ضمن منظومة عمل متكاملة تستشرف المستقبل وتواكب متغيراته.
وتُسهم هذه الجهود في رسم ملامح مرحلة أكثر نضجًا واستدامة، تُبنى على ما تحقق من إنجازات، وتفتح آفاقًا جديدة للتوسع والابتكار، ما تحقق لم يكن مرحلة عابرة، بل مسار مستمر من التطوير والنمو، يتقدم بثبات نحو مستقبل أكثر نضجًا واتساعًا.