في النقاشات العامة، خصوصاً تلك التي تتصل بالهوية أو التاريخ أو الموقف السياسي، يبرز نمطٌ متكرّر من الخطاب يقوم على النفي والرد المباشر على ما يطرحه الخصم من ادعاءات أو تُهم، هذا الأسلوب، على شيوعه، لا يبدو الأكثر فاعلية، بل قد يحقق أحياناً نتيجة معاكسة لما يُراد منه، وفي كثير من النقاشات الجدلية يحقق المدعي مراده على حساب الحقيقة للأسف.
الانشغال بنفي ادعاءٍ فاسد يعني في معظم الأوقات إبقاء الادّعاء حياً في التداول، بل وأحياناً تأكيده لدى السامعين أو المتابعين ومنحه مساحة أكبر مما يستحق.
فبدل أن يكون الادعاء هامشياً، يتحول إلى محور النقاش، ويصبح الطرف الآخر هو من يحدد موضوع الحوار واتجاهه، وهنا تكمن الإشكالية.
الأجدى، في تقديري، هو الانتقال من رد الفعل إلى الفعل؛ من موقع الدفاع إلى موقع العرض. أي أن يُبنى الخطاب على تقديم الوقائع الموثقة، والسرد التاريخي الرصين، والإنجازات الملموسة، دون الانجرار إلى سجالات مباشرة قد لا تنتهي.
في بعض الطروحات التي تتناول الكويت، لا سيما في ذلك الادعاء التاريخيّ حول تبعيتها، على سبيل المثال، يلاحظ أن الردود تنزلق سريعاً إلى تفنيد الادعاء بنداً بنداً؛ هذا المسار، رغم وجاهته الظاهرية، لا يضيف كثيراً إلى وعي المتلقي بقدر ما يعيد تدوير الادعاء ذاته. في المقابل، فإن عرض تجربة الكويت التاريخية، وبناء الدولة، وإنجازات الكويت في كل المجالات والعلاقات الإقليمية الناجحة، كل ذلك يقدم صورة أكثر تماسكاً وهدوءاً، ويترك للقارئ مساحة لمعرفة الحقيقة وهذا هو أكبر رد ناجح يغيظ المدعين ويفسد باطله.
الأمر ذاته يمكن ملاحظته في النقاش حول تطور دول الخليج ومجتمعاتها، فبدل الدخول في مقارنات حادة أو ردود انفعالية لمن يهاجم دول الخليج ويدعي تفضله عليها، بدل كل ذلك يكون من الأجدى تقديم قراءة موضوعية لمسار هذه المجتمعات: اقتصادها، مؤسساتها، تحولات التعليم فيها، ودورها في محيطها ونجاحها في التجربة التنموية والحضارية ومساندة دولنا العربية والمحتاجين في العالم، هذه المُعطيات، حين تُعرض بهدوء، تكون أكثر إقناعاً من أي رد مباشر ويفسد على الحاقدين أو المتعالين أهدافهم بل وتزيدهم حسرة.
وفي القضايا المذهبية، ربما يكون الدرس أوضح. فالإفراط في الجدل أسهم، عبر الزمن، في تضخيم حضور بعض الأطروحات التي ما كانت لتنتشر لولا كثافة الرد عليها.؛ بينما يظل التركيز على بناء الوعي الديني الرصين، كتقديم المعرفة القائمة على مصادرها الأصلية، من الكتاب والسّنة وهما مصادر التشريع الأكثر ثبوتاً في العالم الإسلامي، يظل التركيز على بناء الوعي الديني الرصين وهو خيار أكثر استدامة وأثراً.
إنّ إدارة الخطاب لا تقل أهمية عن مضمونه، فالانتقال من النفي إلى الإثبات، ومن الجدل إلى العرض، ليس ترفاً فكرياً بل ضرورة في بيئة إعلامية سريعة ومفتوحة. فالحقيقة، حين تُقدَّم بوضوح واتساق، لا تحتاج إلى الجدل والانزلاق وإلى خطابات جدلية ونقاشات عقيمة مضارها أكثر من منافعها.
دائماً تحتاج الحقيقة إلى تسليط الضوء عليها حتى يراها الناس دون تشويش.