الامتياز المزوّر

6 مايو 2026 10:00 م

في مجتمعاتٍ تتباهى بشهاداتها، وتُعلّق صور المتفوقين على الجدران، يتسلل سؤال بسيط لكنه موجع:

هل نحن نصنع عقولاً... أم نُراكم أرقاماً؟

المشهد بات مألوفاً حدّ التكرار؛ أبٌ يسأل ابنه: «كم نسبتك؟» ولا يسأله:

«ماذا تعلّمت؟»

وأمٌّ تفتخر بابنتها «امتياز مع مرتبة الشرف»، لكنها لا تعرف إن كانت ابنتها قادرة على كتابة فكرة، أو مناقشة رأي، أو حتى الدفاع عن قناعة.

هنا تبدأ الأزمة... لا في المدرسة، بل في البيت.

العائلة، التي يُفترض أن تكون الحاضنة الأولى للقِيم، تحوّلت – دون أن تشعر – إلى لجنة تقييم رقمية. تُكافئ النتيجة، وتغضّ الطرف عن الطريق. لا يهم إن كان الابن قد اجتهد أو استعان بجهد غيره،

لا يهم إن فهم أو حفظ، المهم أن يصل... بأي وسيلة.

وهنا تحديداً، يتآكل المعنى الحقيقي للتعليم.

التعليم لم يكن يوماً رقماً يُعلّق على شهادة، بل كان عملية بناء إنسان.

إنسان يعرف، يُحلل، يُخطئ فيتعلم، ويصيب فيتطور.

لكن حين تُختزل الرحلة في «95 %» أو «امتياز»، فإننا لا نختصر الطريق فحسب، بل نُفرغ الرحلة من محتواها.

السؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة:

مَن المسؤول عن هذه الثقافة؟

هل هي المدرسة التي تركّز على الاختبار؟

أم المجتمع الذي يقدّس المظاهر؟

أم الأسرة التي اختارت الطريق الأسهل: الفخر بالنتيجة بدل الاستثمار في الإنسان؟

الحقيقة المُرّة أن المسؤولية مشتركة، لكن دور الأسرة يظل الأكثر حساسية وتأثيراً.

حين لا يختبر الأب ابنه في ما تعلّمه، فهو يبعث برسالة خفية: «الفهم ليس مهماً».

وحين تتجاهل الأم وسيلة الوصول إلى النجاح، فهي تشرعن – دون قصد – ثقافة التحايل.

وهنا لا نتحدث عن حالات فردية، بل عن نمطٍ يتكرّر حتى أصبح مقبولاً... بل أحياناً «ذكاء اجتماعياً».

لكن دعونا نطرح سؤالاً آخر، أكثر إزعاجاً:

ماذا سيحدث عندما يخرج هذا الطالب إلى الحياة؟

حين يُطلب منه قرار أو تحليل أو مواجهة تحدٍّ حقيقي... هل ستنقذه «النسبة»؟

هل سيحميه «الامتياز» من ارتباك الواقع؟

الواقع لا يعترف بالأرقام، بل بالكفاءة.

ولا يُكافأ الحفظ، بل الفهم.

ولا يُجامل الشهادات، بل يختبر أصحابها.

من هنا، يصبح دور الأسرة ليس فقط تربوياً بل وطنياً.

لأن المجتمع الذي يُخرّج أبناءً بلا عمق، إنما يُراكم هشاشة مؤجلة.

النقد هنا ليس هجوماً، بل محاولة إنقاذ.

ليس اتهاماً للأهل، بل دعوة لإعادة النظر.

ربما نحتاج أن نغيّر السؤال من:

«كم حصلت؟» إلى «ماذا فهمت؟»

ومن: «هل نجحت؟» إلى «كيف نجحت؟»

ربما نحتاج أن نُعيد تعريف النجاح نفسه...

ليصبح رحلة بناء، لا سباق أرقام.

في النهاية، المجتمعات لا تُقاس بعدد المتفوقين على الورق، بل بعدد القادرين على التفكير والإبداع وتحمّل المسؤولية.

أما الأرقام... فهي قد تُبهجنا لحظة،

لكنها لا تبني مستقبلاً.

X:jzabandr