بعد التجربة التي مررنا بها، والمشهد العالمي الجامع المشوب بالقلق على مُختلف الصُّعُد الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ورغم كلّ التأويلات التي تنطلق من هنا وهناك، لا بُدّ من استخلاص أمر مهم يُبنى عليه أمر... أهم.
أثبتت الأزمة الكُبرى التي ضربت وتضرب أرضنا وأجواءنا وبحرنا، أن منظومة دول الخليج وموقعها الجغرافي ودورها الإقليمي... تأثيرها على العالم واقتصاده وحتى حياة أفراده اليومية، أبعد من مُجرّد نفط قلّ تصديره أو بضاعة احتُجزت في المياه أو حركة جوّ تقلّصت.
عندما أُصيبت بعض جوانب منطقتنا بالشّلل نتيجة الأعمال الحربية، وعندما عُزلت الحركة التجارية وأُقفلت الممرات، العالم كُلّه صار يئِنّ وتصدّرت مُعاناته الاقتصادية والاجتماعية اليومية نشرات الأخبار، وزاحمت مناظر طوابير محطات الوقود وشكاوى الناس من غلاء المُنتجات الغذائية والدعوات إلى تغيير طبائع الاستهلاك أنباء الحلول السياسية من أجل وقف الحرب.
لم يُقلّل أحد من دور دولنا ومركزنا الجغرافي، لكن الأزمة التي عصفت هنا أثبتت مُجدّداً قُدرات ضخمة على التأثير الدولي وارتباط الاقتصاد العالمي بمنطقتنا بشكل غير مُتوقّع، وعليه يدفعني ذلك كمُواطن كويتي خليجي أن أمتلك حقّ البناء على هذا الأمر المهم... أمراً أهم.
لدينا مجلس التعاون الخليجي، وهو الإطار الجامع الذي حمى وجوده دول المجلس من مصاعب كثيرة تعرّضت لها سواء كان الخطر خارجياً أو نتيجة خلافات دارت في فترات مُعيّنة بين بعض دوله... وهذا ليس سراً.
لدينا المجلس، ولدينا قاعدته الأساسية الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية التي أثبتت التطوّرات على مدى الأزمات وخصوصاً الحرب الأخيرة أنها رئة هذا المجلس وسنده وعُمقه الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي.
لدينا المجلس، إنّما مع الثقل الخليجي الإقليمي والدولي المُتزايد، لا بُدّ من قفزة تطويرية تتجاوز الاجتماعات البروتوكولية لتحقيق ما يعتبر أمراً طبيعياً يُوائم بين قُوّة الدور وإطاره الجامع... أي باختصار، تطوير آليات المجلس لتحويله إلى اتحاد شبيه بالاتحاد الأوروبي.
أتمنّى، كمُواطن كويتي خليجي، أن يجتمع القادة ويضعوا كلّ شيء آخر جانباً، ويُركّزون على فكرة «الاتحاد الخليجي» لبلورة أسسه مهما أخذ ذلك من وقت ومن جُهد.
وأتمنّى، أن يُبنى الاتحاد على قاعدة اقتصادية تنموية بحتة، فكُلّما كَبُر الهدف وخلُصت النوايا تراجعت الأمور الصغيرة السلبية التي كان تضخيمها يُسبّب خلافات وأزمات بين الدول. وكُلّما تقدّم التقارب الاقتصادي تقدّم التقارب في السياسة الخارجية وتوحّدت شيئاً فشيئاً لغة التخاطب مع العالم ككتلة صلبة.
وأتمنّى، أن نصل إلى مرحلة نقتنع فيها جميعاً، بأنّ الاتحاد على غِرار الاتحاد الأوروبي يُحافظ على خصوصية كلّ دولة وعلى طريقة إدارة نظامها الداخلي. هناك دول أوروبية بينها ما صنعه الحدّاد ومع ذلك تُقدّم نموذجاً حضارياً في التعاون قلّ نظيره. يكفي أن نستذكر أهم ركنين في الاتحاد الأوروبي وهما ألمانيا وفرنسا. الأولى اجتاحت الثانية 3 مرات في أقل من 100 عام ومع ذلك يقول قادة البلدين: لا نستطيع تغيير التاريخ إنّما نستطيع تغيير المُستقبل.
وخصوصية الدول في الاتحادات العملاقة لا تُجيز لها التغريد خارج السرب لأن الإطار الجامع يستوعب وجهة نظرها ولديها ألف قناة داخلية سياسياً وإدارياً للنقاش والتعبير عن الهواجس إنْ وُجدت. كما أنّ التوافق المبني على المصالح الاقتصادية والاجتماعية في الاتحادات العملاقة ينفي طبيعياً أيّ شكل من أشكال الهيمنة أو التفرّد.
هل علينا أن نعود إلى الأرقام مُجدّداً؟ الاتحاد الأوروبي يضمّ 27 دولة تتحدّث 24 لغة. خاضت في تاريخها أكثر من 120 حرباً بين بعضها. امتداد جغرافي بحجم قارة. أسواق مفتوحة ومصالح اقتصادية وتجارية تتساوى في مبادئها أصغر الدول وأكبرها. دول تقدّمت كياناتها ولم تتراجع بالاتحاد. ودول حافظت على خصوصياتها إلى درجة أنّ بعضها أبقى على عُمْلته.
نحن مُتقاربون في كلّ ما كانت دول الاتحاد الأوروبي مُتباعدة فيه. اللغة والجغرافيا والتاريخ والتناسق المُجتمعي وأنظمة الحكم وفلسفة الاقتصاد والمصالح المُشتركة والدّين. والواقعيّة السياسية تقتضي الانتقال إلى الإطار التعاوني الجديد لا بسبب الضرورة المُستقبلية فحسب، وإنّما لأن السياسة العالمية تكون أحياناً أقرب إلى الفيل الغاضب الذي لا يُمكن التوقّع لا بمساره ولا بنواياه، واليد الواحدة إن عجزت عن التصفيق فوحدة الأذرع كفيلة بالحماية. وهذا الكلام ينطبق على تعاملنا مع أميركا ودول أوروبا والدول الآسيوية... وحتى بعض ذوي القربى.
في قلب الأزمة. صمدنا وقاومنا وسطّرنا أحد أروع ملاحم الفِداء دفاعاً عن أوطاننا، كما كتبت دول الخليج أمثولة كبيرة في التعاون والتآزر. اعتبرت دول المجلس الاعتداء على إحداها اعتداء عليها كُلّها. ساعدت بعضها في مُقوّمات الصمود الأمني والاقتصادي والاجتماعي بشكل مُعلن حيناً وغير معلن في أحيان كثيرة... ومن هذه الأزمة، وما أثْبتته من قُدرات ذاتية لدول المجلس ومن تأثير عالمي لمنطقتنا، علينا البناء على ما حصل واعتباره فُرصة تاريخية لتطوير ما هو قائم إن كُنّا ننشد مُستقبلاً أفضل لشعوبنا.