«حزب الله» يزيد المُخاشَنة مع الدولة وتزداد عزلته

في لبنان... «طنجرة الضغط» تَغْلي في الداخل واسرائيل تتغوّل بالنار

3 مايو 2026 10:00 م

- إيران التي أصابها حصار ترامب البحري في «كعب أخيل» لم تستسلم حيال ربط ملف لبنان بمسارها
- إسرائيل تحاول التكيف مع معضلة المسيّرات الشَبَحية... وتُرسي ما يشبه «برمودا» يبتلع قرى الحافة الأمامية اللبنانية

لم يكن تصدي مناصرين لـ «حزب الله» الاحد، في الضاحية الجنوبية لبيروت للجيش اللبناني في محاولته توقيف مسلحين أطلقوا الرصاص والقذائف الصاروخية خلال تشييع 4 ضحايا، إلا عيّنةً من مسارٍ يُنْذِر بارتفاع حرارة «طنجرة الضغط» اللبنانية التي تغلي تحت نارِ الخروق الإسرائيلية التي لم تتوقف «للهدنة 2» (حتى 17 مايو) وعمليات الحزب في الجنوب وباتجاه شمال إسرائيل، كما التسخين السياسي المتدحرج من الحزب بوجه الدولة وخيار التفاوض المباشر مع تل أبيب بوصفه «سلّم الطوارئ» الأخير للخروج من جولةٍ لا تُبقي ولا تذر من الحرب التي اقتيدت إليها البلاد إسناداً لإيران في 2 مارس والتي شكّلت النموذج العسكري الأعلى «تخصيباً» بعد معركة إسناد غزة.

وفي وقت كانت إسرائيل، ومن فوق استمرار هجماتها الدموية جنوباً وتوسيعها رقعة الإنذارات بالإخلاء للقرى داخل «منطقة الدفاع الأمامية» وتفريغ المزيد من البلدات ومطاردة أنفاق الحزب، تُعْلي عنوان معركة التكيف مع التهديد الذي لم تجد ترياقاً له والذي تشكله المسيّرات الشَبحية، ازدادتْ مؤشرات عملية إطباقٍ متعددة البُعد يقوم بها الحزب في وجه الدولة اللبنانية التي يقبض رئيسها العماد جوزاف عون على الجمر في سعيٍ لمنْع انفجار الحرب مجدداً أو سقوط الوطن الصغير في قبضة مسار إسلام آباد حيث تحاول طهران إعادة «بلاد الأرز» ورقة في جيْبها وتكرار تجارب «الدفع والقبض» من جيب الآخرين.

ومن قلب كل الدخان الكثيف الذي يلفّ «بلاد الأرز»، جبهةَ حربٍ مخفَّضة جنوباً ومتاريس سياسية لا تنفك ترتفع داخلياً، رسمت أوساط على خصومة مع إيران في بيروت عبر «الراي» المشهد الشديد التعقيد والتشابُك وحتى التخادم بين أطرافه في بعض المفاصل، متوقفة في شكل خاص عند كيفية استفادة «حزب الله» وإسرائيل من استمرار «الحريق» في جنوب لبنان وفق الآتي:

- «حزب الله» يستفيد من خروق إسرائيل ليقول إن التفاوض الذي يقوم به عون «بلا قيمة» وإن السلاح هو الضمانة، وإن بوليصة التأمين الأقوى يشكّلها اتفاق إيراني - أميركي بحيث تكون طهران هي «القابلة» التي يُستولد في كنفها الحلّ للملف اللبناني، بما يستنبط اعتقاداً – تعتبره الأوساط خاطئاً - بأن واشنطن ستكون في وارد واحد من أمرين أو كلاهما:

الأول الانخراط في «اللعبة القديمة» أي المقايضات التي يرفضها دونالد ترامب أياً كان شكْل الرسائل التي تُعتمد وسط تأكيد الأوساط نفسها أن الرئيس الأميركي لم يبدّل سلوكه الذي يقوم على أن «لا صندوق بريد» لديه حتى لتوضع الرسائل فيه، وأنه دخل مساراً لا عودة فيه وعلى قاعدة كل الطرق تؤدي إلى «إيران أخرى»، سواء بقي نظامها في شكله الحالي ولكن المنزوع الأظافر الإقليمية، أم لا.

والثاني أن واشنطن يمكن أن تسلّم مجدداً بنفوذ لإيران في لبنان كثمنٍ لورقة «حزب الله»، الذي رغم أن إسرائيل لم تُنْهِه بالكامل، فإنّ الأضرار التي أصابته بعد حربيْ إسناد غزة وطهران جعلتاه بمثابة «الأسد الجريح» الذي خسر أيضاً كل الرافعة الداخلية له، السياسية و«القانونية» وبات حصر سلاحه الشرط لمنح الخارج بيروت أي «طوق نجاة» من الحرب كما النهوض من تحت الركام وتفادي موجة أعتى من الانهيار المالي - الاقتصادي.

ورغم أن إيران لم تستسلم في رهانها على إمكان إلحاق لبنان بمسار إسلام آباد، وهدم جسر التفاوض المباشر بين بيروت وتل أبيب الذي يرعاه ترامب شخصياً بوصفه مستقلاً عن الإطار الناظم للمحادثات مع طهران، وهو ما عبّر عنه ما نقلته «أكسيوس» عن أن المقترح الإيراني الأخير لواشنطن اشترط «إعادة فتح مضيق هرمز، وإنهاء الحصار البحري، ووضع حد دائم للحرب في إيران ولبنان»، فإن الأوساط عيْنها رأت أن مجريات «الغضب الملحمي» والحصار البحري الذي يَشي بأنه بمثابة إصابة «كعب أخيل» الجمهورية الإسلامية لم يعودا يتيحان لها سوى أن تعطي الولايات المتحدة في «بلاد الأرز» كما في ملفها وذلك لتأجيل تجرُّع تراجعاتٍ مهما تأخرت... آتية.

«إبادة الحجر»

- وإسرائيل تَضرب في لبنان من خلف وقف النار الممدَّد حتى 17 مايو لتثبت أن «حزب الله» هو المشكلة وليس الدولة اللبنانية التي تفاوضها تحت سقفٍ ضاغط أميركي يسعى لاستيلاد شبكة ضمانات لبيروت للتوغل في المسار الدبلوماسي الشائك، وأيضاً تصعّد لإبقاء الضغط على بيروت لتكرر نمط التفاوض تحت النار، وإن المحصورة حتى الآن جنوباً، وفي الوقت نفسه إنهاء ما أمكن من عملية «إبادة الحجر» في قرى الحافة الأمامية حيث يرتسم ما يشبه «برمودا» يبتلع البلدات تباعاً عن الخريطة.

وفي موازاة هذه الصورة التخادمية التي باتت واقعياً تَحكم الوضع اللبناني واتجاهاته التي يلفها غموض مفتوح على شتى الاحتمالات، لم تخرج بيروت من دائرة انتظار الخطوة التالية في المسار التفاوضي مع إسرائيل بعدما اعتمد عون خيار «الدبلوماسية الصلبة» لتفادي سعي واشنطن ليكون اللقاء بينه وبين بنيامين نتنياهو فاتحة المفاوضات الرسمية المباشرة وفق معادلة «الصورة مقابل ضمانات بالسيادة الكاملة والأرض ودعم الإعمار»، ووسط تسريباتٍ عن إمكان حصول جولة ثالثة من المحادثات التيسيرية على مستوى السفراء ريثما تتبلور أكثر المناخات المتصلة بجبهة إيران وربما لعدم حرق الجسر الديبلوماسي برفْع مبكّر «للنار تحته».

وهذا الانتظار يملؤه «حزب الله» بمزيج من الاشتباك السياسي الذي يزيد منسوبه مع الدولة، التي بات يسمّيها السلطة ويخوّن رأسها أي عون ورئيس الحكومة نواف سلام وسائر القوى الداعمة لهما في خيار التفاوض المباشر، والاشتباك الافتراضي الذي تمدّد ليطاول البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي على خلفية فيديو بثته محطة تلفزيون لبنانية مستوحى من لعبة angry birds واعتبره مناصروه مسيئاً لأمينه العام الشيخ نعيم قاسم، باعتباره رمزاً دينياً أيضاً، ولتضحيات مقاتليه.

«القوة الناعمة»

وإذ اعتُبر هذا السلوك أقرب إلى استخدام «القوة الناعمة» في مخاشنة الخصوم بهدف الترهيب أو الردع السياسي، فإنّ نأي رئيس البرلمان نبيه بري بنفسه في شكل كامل عن مسار التفاوض وصولاً لحرق الجسور مع الرئيس اللبناني وإعلانه «أطفأتُ محركاتي»، جَعَل المسار الذي يقوده عون يفتقد في العلن لغطاء شيعي، سُحب نهائياً أو جُمّد، ولكن من دون أن يحجب ذلك الحصانة المسيحية والسنية والدرزي الممنوحة لرئيس الجمهورية والتي تظهّر في جانبٍ منها ضمور وضعية الحزب داخلياً والعزلة التي باتت تحوط به.

ولم يكن عابراً موقفان من «حزب الله» والمفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان عكسا اعتمال الاحتقان الداخلي وحساسية المرحلة التي تضع الدولةَ أمام تحدي العبور الآمن في حقل الألغام المحلي والإسرائيلي ومقارعة تحدي الحزب العلني لقراراتها وخياراتها بمزيد من الثبات على قيادة التفاوض مع رفض اعتماد مسارٍ يقوم على وضع «العربة قبل الحصان» في ما خص مسألة اللقاء مع نتنياهو.

فالنائب حسن فضل الله أكد «أن المقاومة في لبنان اليوم هي الخيار الوطني الذي لا بديل عنه من أجل تحرير أرضنا وهي ستتواصل وستستمر وباقية، ولن تتراجع حتى تُجبر العدو على الخروج من أرضنا، ووقف اعتداءاته على بلدنا، وبالتالي، فإن أي اتفاق جديد سيرسو في لبنان، يجب أن يكون ضامنا لعدم الاعتداء على بلدنا بأي شكل»، داعياً البعض «في بلدنا، أن يكفّ ألسنته وشروره ومؤامراته وطعناته عن مقاومتنا، وسنسقط أي مؤامرة تستهدفها من أي جهة كانت».

وأضاف: «عندما يكون هناك عدوان واحتلال، فإن المقاومة لا تحتاج إلى إذن، والدفاع عن الأرض لا يحتاج إلى إجماع وطني، لاسيما أنه لم يكن هناك مثل هذا الإجماع في لبنان في يوم من الأيام، وطالما هناك احتلال، هناك مقاومة (...) واليوم هناك انقسام حاد فيما يتعلق بالخيار السياسي الذي لجأت إليه بعض أطراف السلطة من خلال التفاوض المباشر مع العدو، وتقديم تنازلات مجانية، وتقديم لبنان خاضعاً ذليلاً أمام هذا العدو (...) وبالنسبة إلينا هذه المفاوضات بكل نتائجها، لا تَعنينا، ولن نطبقها، ولن نسمح بأن تمرر، ولدينا شعب حي وحر ومقاومة ثابتة وقادرة على إسقاط كل أهداف هذه المفاوضات».

أما الشيخ قبلان فتوجّه لـ «أعيان السلطة السياسية في لبنان» بالقول إن «معنى التمثيل الوطني والشرعية السياسية يبدأ من الجنوب اللبناني وجبهاته، ومن دون الجنوب والدفاع عنه لا صفة مشروعة لأي طواقم تركب كراسي هذا البلد وتنام ملء جفونها فيما بلادها تخوض أخطر حروبها على الإطلاق»، وقال: «نحن أمام سلطة متآكلة وشرعية زائفة وسط فريق (...) يضع البلد كله بقلب تفاوض مباشر وذليل مع أخطر كيان صهيوني يهدد أصل وجود بلده لبنان، والقضية هنا ليست بمن يركب كراسي السلطة، لأن كراسي فيليب بيتان وبيير لافال خدمت عدو بلادها وتحوّلت إلى قوة داخلية ضد شعبها ومصالح وطنها». وختم: «هذا المنطق وضع فرنسا الشرعية بقلب خنادق شارل ديغول لا فوق كراسي فيليب بيتان وبيار لافال (...)».