الولايات المتحدة وإسرائيل على مفترق طرق حاسم في شأن الحرب في لبنان

2 مايو 2026 10:00 م

- المخاوف من حرب أهلية في لبنان... تغذيها إسرائيل

في تطورات دبلوماسية وعسكرية متسارعة خلال الأيام الأخيرة، يبدو أن الإدارة الأميركية وإسرائيل تقفان على مفترق طرق حاسم في شأن الحرب في لبنان، بينما تحاول فرنسا استعادة دورها الإقليمي، وتعمل سوريا الجديدة على إعادة تعريف علاقاتها مع جيرانها.

ففي الوقت الذي يحذر فيه مسؤولون إسرائيليون كبار من أن استمرار الهجمات التي يشنها «حزب الله» يقوض الردع الإسرائيلي، يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يفرض سقفاً صارماً للعمليات العسكرية، واضعاً حكومة بنيامين نتنياهو أمام معادلة صعبة: القبول بمسار سياسي ترعاه واشنطن أو المضي قدماً نحو حرب شاملة.

وكشفت تقارير أميركية وإسرائيلية عن سعي إسرائيلي حثيث للحصول على ضوء أخضر من واشنطن لتوسيع نطاق عملياتها العسكرية. فوفقاً لتقرير لصحيفة «جيروزاليم بوست» في 30 أبريل، ضغط نتنياهو خلال اتصال هاتفي مع ترامب، لتحديد مهلة زمنية للمفاوضات مع لبنان

لا تتجاوز «أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع»، واصفاً إياها بـ «نافذة زمنية تنتهي في منتصف مايو».

نقل التقرير عن مسؤولين إسرائيليين ان الهجمات المستمرة لحزب الله ضد القوات الإسرائيلية والمستوطنات الشمالية «تأكل فرص التوصل إلى اتفاق وتقوض الردع». وأشار المصدر ذاته، إلى أن تل أبيب أبلغت واشنطن أنه «إذا فشلت المفاوضات في تحقيق نتائج ملموسة خلال الإطار الزمني المطلوب، فإن إسرائيل ستسعى للحصول على موافقة للمضي قدماً بخطتها الأصلية» التي تتضمن توسيعاً كبيراً للعمليات العسكرية.

في المقابل، يواصل ترامب فرض قيود صارمة، مشدداً على ضرورة أن تظل الضربات الإسرائيلية «جراحية». ففي مقابلة مع موقع «أكسيوس» نقلتها قنوات إخبارية عدة، قال «لقد أخبرت نتنياهو بأن عليه القيام بذلك بشكل أكثر جراحية. لا يمكنه هدم المباني. الأمر فظيع للغاية ويجعل إسرائيل تبدو بمظهر سيئ».

ووفقاً لمصادر في واشنطن، فإن القيود التي يفرضها البيت الأبيض لا تقتصر على طبيعة الضربات فحسب، بل تمتد أيضاً إلى المناطق الجغرافية، حيث تم منع الجيش الإسرائيلي من شن حملة واسعة النطاق.

خطة روبيو... «حزب الله»

في تطور لافت، كشف وزير الخارجية ماركو روبيو عن تفاصيل المخطط الأميركي للمرحلة المقبلة. ففي تصريحات لشبكة «فوكس نيوز»، قال «هذا ما نعمل على تأسيسه، نظام يعمل بالفعل حيث تمتلك وحدات مدربة ضمن القوات المسلحة اللبنانية التدريب والمعدات والقدرة على ملاحقة عناصر حزب الله وتفكيكهم، لكي لا تضطر إسرائيل إلى فعل ذلك».

وأضاف أن هذه الخطة تهدف إلى إنشاء «وحدات منتقاة» تخضع لتدريب متخصص وتجهز بالأدوات المناسبة لمواجهة «حزب الله»، معترفاً في الوقت نفسه بأن «الجيش اللبناني تنقصه القدرات الكاملة للتعامل مع كل تهديدات حزب الله».

ويذكرنا هذا النموذج بـ «خطة دايتون» التي طبقت في الضفة الغربية، حيث كلفت قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية بملاحقة ونزع سلاح أعضاء حركة «حماس».

غير أن هذا المخطط يثير مخاوف جدية من اندلاع حرب أهلية في لبنان. فقد حذرت مصادر من أن «إنشاء قوة خاصة لملاحقة ومواجهة حزب الله سيدفع البلاد إلى ما هو أسوأ من الحرب الأهلية. سيؤدي إلى التقسيم وانهيار الجيش».

ويأتي هذا التحذير في ظل تركيبة الجيش اللبناني الطائفية.

من جهته، يرى جوشوا لانديس، الأستاذ في جامعة أوكلاهوما، أن «روبيو يدفع قدماً بالأجندة الإسرائيلية. السياسة المتبعة في لبنان تسعى لتحقيق المصالح الإسرائيلية فقط». وأضاف أن «عدم الاستقرار في لبنان ليس جيدا للولايات المتحدة. الحرب الأهلية لن تؤدي إلا إلى زعزعة استقرار سوريا والمنطقة بأسرها».

قمة عون - نتنياهو في واشنطن

في خطوة لافتة، حثت السفارة الأميركية في بيروت يوم 30 أبريل، الرئيس اللبناني جوزاف عون على لقاء نتنياهو مباشرة.

وذكرت في بيان «إن لقاء مباشرا بين الرئيس عون ورئيس الوزراء نتنياهو، بتيسير من الرئيس دونالد ترامب، سيمنح لبنان فرصة للحصول على ضمانات ملموسة في شأن السيادة الكاملة والسلامة الإقليمية والحدود الآمنة والدعم الإنساني وإعادة الإعمار».

لكن هذه الدعوة تصطدم بانقسام حاد داخل الطبقة السياسية اللبنانية. فبينما أعرب عون ورئيس الوزراء نواف سلام عن اهتمامهما بالمفاوضات لتثبيت الحدود واستعادة سلطة الدولة، فإن رئيس مجلس النواب نبيه بري، الحليف لـ«حزب الله»، يعارض التطبيع ويدفع باتجاه ترتيب لعدم العدوان فقط.

مبادرة ماكرون المحبطة

في ظل التحركات الأميركية المكثفة، يحاول الرئيس إيمانويل ماكرون جاهداً استعادة دور لفرنسا في لبنان، لكن يبدو أن مساعيه تصطدم بجدار من الرفض الأميركي والإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدافع الفرنسي الأساسي كان الخشية من أن تضطر القوات الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» إلى مغادرة لبنان بحلول نهاية العام، ما دفع باريس للبحث عن دور في أي ترتيبات مراقبة مستقبلية. لكن إسرائيل سارعت إلى تسليم الملف اللبناني إلى رون ديرمر، وهو شخصية تحظى بتقدير ضئيل لفرنسا.

استناداً إلى المعطيات المتاحة، يمكن استشراف سيناريوهات عدة للمرحلة المقبلة:

المسار السياسي برعاية أميركية

في هذا السيناريو، ينجح ترامب في الضغط على إسرائيل لقبول تسوية سياسية، ويعقد لقاء قمة بين عون ونتنياهو في واشنطن. وتقدم الولايات المتحدة ضمانات للبنان تتضمن الانسحاب الإسرائيلي التدريجي مقابل التزام الحكومة اللبنانية نزع سلاح «حزب الله». لكن هذا المسار يواجه تحديات جمة، من بينها الانقسام الداخلي ورفض الحزب والقاعدة الشيعية لأي تطبيع مع إسرائيل.

الحرب الشاملة

إذا فشلت المفاوضات خلال «النافذة الزمنية» التي حددتها إسرائيل بمنتصف مايو، فقد تسعى تل أبيب للحصول على ضوء أخضر لتوسيع العمليات العسكرية.

ويقول مسؤول عسكري كبير إن إسرائيل ستحتاج إلى احتلال كامل للبنان لنزع سلاح حزب الله، ما يشير إلى أن الحرب الشاملة قد تكون مدمرة ومكلفة. ولن تكون في الأشهر المقبلة.

التفكك والفوضى

هذا هو السيناريو الذي يحذر منه المحللون. إذا كلفت وحدات من الجيش اللبناني بملاحقة «حزب الله»، فقد يؤدي ذلك إلى انهيار الجيش وانزلاق البلاد إلى حرب أهلية.

ومن المفارقة، أن بعض المراقبين يرون أن عدم الاستقرار هذا قد يكون هدفاً إسرائيلياً، حيث إن تحول لبنان إلى دولة فاشلة قد يسهل إنشاء «إسرائيل الكبرى» التي يدعو إليها بعض السياسيين.

يقف لبنان اليوم على مفترق طرق، فالضغوط الأميركية والإسرائيلية تتصاعد لوضع حد لوجود «حزب الله» العسكري، لكن أي خطوة متسرعة في هذا الاتجاه قد تؤدي إلى انفجار داخلي.

في الوقت نفسه، تحاول فرنسا استعادة دورها الإقليمي لكنها تواجه تهميشاً أميركياً-إسرائيلياً، بينما تخرج سوريا من عباءة إيران وتتحول إلى لاعب قد يكون حاسماً في معادلة الحدود ووقف التهريب.

أما الأسابيع القليلة المقبلة، خصوصاً مع اقتراب موعد منتصف مايو، فستكون حاسمة في تحديد أي من هذه السيناريوهات سيتحقق. فإما أن تنجح الدبلوماسية الأميركية في فرض واقع جديد، أو أن تفرض الحرب نفسها على الجميع، مع ما قد يترتب على ذلك من تداعيات لا تحمد عقباها على لبنان والمنطقة بأكملها.