«هزة أرضية»... تفجير «أنفاق حزب الله» ومأزق الاحتلال في جنوب لبنان

29 أبريل 2026 10:00 م

- الحل الإسرائيلي... التوصل إلى وقف نار مستقر مع بند يسمح بمنع تعزيز قوة الحزب ويكرّس استمرار الاحتلال الجزئي أو حق الردع

في عملية هي الأكبر من نوعها منذ بدء المواجهات البرية في مارس الماضي، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، يوم الثلاثاء، عن تدمير شبكة أنفاق ضخمة تابعة لـ «حزب الله» في بلدة القنطرة جنوب لبنان، باستخدام ما يزيد على 450 طناً من المتفجرات، في مشهد وُصف بأنه تسبّب بـ«هزة أرضية» شعر بها مستوطنو الجليل الأعلى.

بينما تكشف الوثائق العسكرية والتحليلات الصحافية الصادرة الاربعاء عن صورة أكثر تعقيداً من مجرد عملية تدمير انفاق؛ إذ تشير إلى فشل استخباري وسياسي عميق، وصولاً إلى الاعتراف بأن خيار «احتلال لبنان لنزع سلاح حزب الله» يبقى ضرباً من المستحيل في ظل الظروف الراهنة للجيش الإسرائيلي والموازنة السياسية الهشة في بيروت.

وكشفت صحيفة «معاريف»، في تحليل للمحرر العسكري آفي أشكنازي، أن التفجير الذي نفذته فرقة 36 ولواء 7 في بلدة القنطرة (على بعد 11 كيلومتراً من مستوطنة مسغاف عام) لم يكن اعتيادياً، بل أحدث «هزة أرضية» حقيقية.

وأوضح أن الجيش اضطر إلى إدخال مئات الأطنان من المواد المتفجرة إلى باطن الأرض لضمان انهيار النفقين داخل الجبل المنحوت، وهما اللذان أطلق عليهما اسم «عراد» و«عكا».

وفقاً للمصادر العسكرية التي راجعها «مركز الأخبار»، فإن هذه الأنفاق لم تكن مجرد ممرات للتهريب، بل كانت أشبه بـ «مدن تحت الأرض».

وأكد ضابط رفيع المستوى من وحدة «يهالوم» الهندسية النخبوية، أن الشبكة، الممتدة لمسافة كيلومترين وعمق 25 متراً، شُيدت على مدى عقد كامل في صخر الغرانيت الصلب، وتضم نحو 30 غرفة معيشة مجهزة بأسرّة ودشات ومياه جارية، وكانت مخصصة لتكون منطقة احتشاد وتجميع لــ «قوات الرضوان» الخاصة.

ويصف المصدر العسكري هذه المنشأة بأنها «مدينة تحت الأرض» كانت معدة لاستيعاب مئات المقاتلين الذين كانوا يخططون لغزو الجليل (جيش الاحتلال، 28 ابريل).

وقال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في بيان فيديو مصور: «فجرنا نفقاً إرهابياً ضخماً لحزب الله، نحن ندمر بنيتهم التحتية ونقتل العشرات منهم ولم ننته بعد».

اعترافات إسرائيلية بالتقصير

ورغم إظهار قوة التفجير، إلا أن التحليل الذي نشرته «معاريف» لم يكن احتفائياً بقدر ما كان نقدياً لاذعاً.

يصف أشكنازي ما حدث بأنه «إخفاق إسرائيلي يصرخ إلى السماء»، متسائلاً «كيف سمحت إسرائيل تحت أنفها، في الشمال وبالتوازي في غزة، بأن يقوم حزب الله بهذا العمل و أن تعرض للخطر وجودها»؟

ويشير المحلل إلى أن حملة «سهام الشمال» السابقة، التي ادعت إسرائيل من خلالها أنها أزالت خطر الغزو عن البلدات الشمالية، كانت في الواقع غير مكتملة، إذ أن نفقَيْ «عكا» و«عراد» لم يُكتشفا إلا حديثاً.

والأكثر خطورة، بحسب ما رواه قائدا الفرقة 36 واللواء 7، أن «حزب الله» نجح في الأيام التي تلت 28 فبراير (الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران) في نقل تعزيزات واسعة النطاق عبر نهر الليطاني ووادي السلوقي، مما يعني نظرياً قدرة هذه القوات على الوصول إلى مستوطنات الخط الأول من دون عوائق.

وفي مقال افتتاحي بصحيفة «يديعوت أحرونوت»، يذهب المحلل العسكري الكبير رون بن يشاي إلى تحليل أعمق للمأزق الحالي. وقال إن إسرائيل لا تملك حالياً مخرجاً عسكرياً أو سياسياً واضحاً من «المستنقع الدموي» الذي فرضته القيود الأميركية.

ويؤكد بن يشاي أن القيد الذي فرضه الأميركيون، والذي يربط بين القتال في إيران ولبنان، هو «خطوة مقلقة» تمنع الجيش من إدارة قتال حر- أي تنفيذ هجمات قوية وان راح ضحيتها مئات المدنيين وتم تدمير بنى تحتية لبنانية، حيث اضطر الثلاثاء إلى تخفيف قواته في لبنان خوفاً من تعريضها للخطر في ظل قيود استخدام النار.

ويقر بن يشاي بحقيقة جيوسياسية مؤلمة: «من الأفضل بالطبع احتلال لبنان بأكمله، وعندها يمكن نزع سلاح حزب الله فعلياً، لكن في ظل الوضع الراهن للجيش ودولة إسرائيل، هذا غير واقعي، لا من حيث القوى البشرية ولا من حيث الموارد الاقتصادية».

ويضع المحللون الإسرائيليون حواجز رئيسية تمنع تحقيق هدف «نزع سلاح حزب الله» عبر الاحتلال الكامل...

الواقع العسكري والاقتصادي

بحسب ذكر بن يشاي، فإن موارد جيش الاحتلال منهكة. فاحتلال لبنان بالكامل يحتاج إلى قوات بشرية هائلة وميزانيات لا تتوفر في الاقتصاد الإسرائيلي الحالي، الذي يعاني من تداعيات الحرب على جبهات عدة.

عدم واقعية السلام مع حكومة لبنان

يشير بن يشاي إلى أن إسرائيل تفضل سياسياً التوصل إلى اتفاق سلام بدلاً من وقف إطلاق نار موقت، لكن هذا «غير واقعي نظراً لضعف الحكومة اللبنانية الحالية وخوفها المبرر من اندلاع حرب أهلية مع حزب الله».

ويضيف أن الحزب يهدّد علناً بحرب أهلية داخل لبنان.

الآلياف البصرية

ولفت الى ما يواجه الجيش صعوبة في التصدي لصواريخ «الغراد» قصيرة المدى والطائرات المسيّرة المفخخة التي تعمل بالألياف البصرية، حيث لايزال الحل التقني لهذه الأخيرة «غير موجود»، ويعتمد الجيش على إدارة تكتيكية للمقاتلين في الميدان لحين إيجاد حل.

وقال إن «الحل هو التوصل إلى وقف إطلاق نار مستقر يكون فيه حزب الله طرفاً معترفاً به، مع بند يسمح لإسرائيل بمنع تعزيز قوة الحزب (وهو ما يكرس فعلياً استمرار الاحتلال الجزئي أو حق الردع)».

ويخلص إلى أن سكان مستوطنات الجليل سيعانون «لبضعة أشهر أخرى»، وأن إسرائيل يجب أن تنتظر لترى ما سيحدث في إيران قبل اتخاذ أي قرار.

ويخلص التقرير إلى أنه «مع استمرار الجمود السياسي في بيروت والقيود الأميركية على تل أبيب، يبدو أن جنوب لبنان مقبل على مرحلة طويلة من العنف المحدود والمناوشات، من دون أفق واضح للحسم العسكري أو السلام الشامل وكل ذلك بانتظار الجبهة الايرانية».