أضواء

بين الهويّة الدينية والهوية القوميّة

28 أبريل 2026 10:30 م

عاش العرب زمناً طويلاً متفرقين، ثم جَمعهم الإسلام ووحّدهم في محيطهم العربي، ثم انطلقوا ينشرون الإسلام شرقاً وغرباً.

كان طارق بن زياد، من بربر شمال أفريقيا، ولم يكن عربياً، لكنه فتح بلاد القوط براية إسلامية، لينتشر الإسلام فيها، ولتشتهر في ما بعد ببلاد الأندلس التي كانت شعلة حضارية إسلامية في أوروبا المظلمة.

وتحت راية الصليب، توحّدت ممالك أوروبا ذات القوميات المختلفة والمتصارعة، ووجهت حملاتها الصليبية لتحرير فلسطين مسقط رأس المسيح، عليه السلام.

وتحت راية الإسلام، قاد صلاح الدين الأيوبي، وهو من أصول كردية، جيوش المسلمين، وانتصر على الصليبيين في معركة حطين 1187م، وكان نصراً عظيماً، استعاد فيه منهم بيت المقدس، والمسجد الأقصى، بعد احتلال صليبي دام قرابة قرن من الزمان.

بعد ذلك، صدّت الجيوش الإسلامية بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز الخوارزمي، وكان ملكاً على مصر، هجوم التتار وهزمهم في عين جالوت 1260 م، وطردهم من بلاد الشام، وأنقذ بلاد المسلمين من همجيتهم وفسادهم.

هكذا لعبت الهوية الدينية دوراً كبيراً في جمع الكلمة وتوحيد الصفوف لمواجهة الأخطار أو تحقيق النفوذ.

فقد وحّدت الهوية النصرانية الإنكليز والفرنسيس والألمان والإيطاليين، في حملاتهم الصليبية، كما وحّدت الهوية الإسلامية المسلمين وهم من أصول شتى عرب، وأتراك وفرس، وأمازيق وأكراد وشركس واستطاعوا دحر أعدائهم من مغول وصليبيين وبويهيين وصفويّين.

ولا تزال الهوية الدينية تلعب دوراً كبيراً في تماسك وحدة دول الاتحاد الأوروبي، رغم تعدّد قومياتهم واختلاف لغاتهم، وصراعاتهم الدموية القديمة، وليس أدل على ذلك من تصريح المستشار الألماني السابق هلموت كول، عندما قال «الاتحاد الأوروبي هو اتحاد مسيحي».

وبعد هزيمة ألمانيا والدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، نجح الإنكليز والفرنسيون في عزل تركيا عن محيطها الإسلامي وسلخها من هويتها الإسلامية التي كانت مصدر قوة وحافزاً معنوياً ساعد في صد وعرقلة محاولات الأوروبيين النصارى، من احتلال الممالك الإسلامية قروناً عدّة. وساعد الإنكليز والفرنسيون على قيام دولة تركيّة علمانية قومية تعادي الهوية الإسلامية، كما باركوا قيام جامعة الدول العربية، لأنها ذات طبيعة قومية، ولا تتمتّع بهوية إسلامية.

ومع ذلك لا تزال الهوية الإسلامية تشكل مناعة قوية ضد محاولات تغريب وتهميش المجتمعات العربية والإسلامية. فبعد عقود من التغريب القومي العلماني، استعادت تركيا هويتها الإسلامية المسلوبة، والأمر لا يختلف عن سوريا، فبفضل هويتها الإسلامية، تخلّصت من الحكم الأقلوي، ولم تسعفه شعاراته القومية العروبية التي كان يتستّر بها.