اخترقتْ الدبلوماسية السعودية الداعمة للبنان المشهد السياسي الذي كان مشدوداً إلى جولة المحادثات التمهيدية الثانية التي عُقدت في ساعة متقدمة من ليل الخميس - الجمعة في واشنطن بين بيروت وتل أبيب على مستوى السفراء، برعاية الرئيس دونالد ترامب، وفق ما أبلغت مصادر أميركية قناة «إم تي في»، بهدف التحضير لإطلاق المفاوضات الرسمية المباشرة التي حدّدت «بلاد الأرز» مدخلاً شَرْطياً لها هو تثبيت اتفاق وقف النار الذي أُعلن في 17 أبريل لمدة 10 أيام عبر تمديده وتوسيع نطاقه ووضْع حدّ للخروق الاسرائيلية له. ولم يكن عابراً قبيل اجتماع واشنطن الذي نُقل فجأة الى البيت الأبيض عوض مقر وزارة الخارجية، في دلالة على الأهمية الاستثنائية التي يوليها ترامب لهذا المسار، والذي حَضَرَتْه السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض والسفير الاسرائيلي يحيئيل لايتر فيما كان مقرراً عن الجانب الأميركي وزير الخارجية ماركو روبيو ومستشاره مايكل نيدهام والسفيران في بيروت وتل أبيب ميشال عيسى ومايك هاكابي، أن تتقدّم الدبلوماسيةُ الصامتةُ التي دفعتْ عبرها الرياض مركب الهدنة في لبنان من الخلف، عبر زيارة مستشار وزير الخارجية الأمير يزيد بن فرحان ولقائه كبار المسؤولين قبل أن يُجْري وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان اتصالاً بالغ الدلالات برئيس البرلمان نبيه بري.
ورغم عدم كسْر المملكة الصمت المُطْبَق حيال الدور المحوري الذي تضطلع به في الملف اللبناني، فإن ما رَشَحَ عنه يشير إلى أنه يقوم على دَعْمِ «بلاد الأرز» في مسار استعادة استقرارها على المستوييْن: الأمني عبر تثبيت وقف النار مع اسرائيل وجعْله دائماً، والسياسي من خلال توفير منصة جامعةٍ لبلوغ هذا الهدف الذي اختار له لبنان الرسمي طريق التفاوض المباشر وتأمين «مظلة هبوط آمن» على قاعدة صلبة يشكّلها اتفاق الطائف الذي يبقى الناظم للتوازنات في الوطن الصغير ببُعديها الطائفي - السياسي المتشابكين.
«صراع المنابر»
ولم يكن عابراً أن الحِراك السعودي «ما فوق عادي» جاء من خلف «صراع المنابر» الذي لم يهدأ في بيروت، بين «حزب الله» وخصومه، حول «أبوة» وقف النار على جبهة لبنان الذي تَعتبره طهران «توأم» الهدنة على جبهتها والذي حرصت الدولة اللبنانية على استيلاده في كنف المسار المستقلّ عن مفاوضات اسلام اباد الذي شقّ طريقه من واشنطن في 14 ابريل عبر «الطاولة الموقتة» والموصِلة للتفاوض المباشر مع اسرائيل حول اتفاقِ دائم وشامل، وهو المسار الذي رفع الحزب الصوت الأعلى بوجهه وبنبرة تخوينية وتهديدية لرئيسيْ الجمهورية والحكومة جوزف عون ونواف سلام.
«الدبلوماسية الناعمة»
وترى أوساط عليمة أن الدبلوماسية الناعمة التي قادتْها السعودية خلف الستارة ولعبتْ دوراً أساسياً في انتزاع «وقف النار 1»، باتت بمثابة «شبكة الأمان» التي يمكن أن تتيح للبنان تَجاوُزَ منطقة الأعاصير العسكرية والسياسية بأقلّ الأضرار، إلى جانب قدرتها على أن تشكّل عنصرَ رفْدٍ لمطالب بيروت في مسارها التفاوضي من خلال الضغط الإيجابي الذي باستطاعتها ممارسته، ومارسْته وصولاً الى هدنة 14 ابريل، على إدارة الرئيس دونالد ترامب، ناهيك عن أن انخراطَ المملكة في هذا الإطار يوفّر وعاءً رديفاً توضع فيه أي تنازلاتٍ من إيران في الملف اللبناني مستقبلاً من دون أن يَظْهَر على أنها قدّمته أمام الولايات المتحدة أو في سياق التطاحن معها.
ولم يكن عادياً أن يظهّر بري دورَ الرياض بوقْفِ النار في لبنان عبر ما أورده مكتبَه الإعلامي عن «التواصل» الذي جرى بينه وبين وزير خارجية المملكة وفيه أن رئيس البرلمان «شكر السعودية على جهودها لمساعدة لبنان على مختلف الصعد، لا سيما المتصلة بوقف العدوان الإسرائيلي الذي يستهدف لبنان وأمنه وسيادته واستقراره»، موضحاً أنه جرى التداول «في آخر تطورات الأوضاع في لبنان والمنطقة، في ضوء مواصلة إسرائيل اعتداءاتها على لبنان، لا سيما استمرارها في أعمال التدمير الممنهج للقرى الحدودية، الجاري على قدم وساق».
ولم يقل دلالة ما نقله تلفزيون LBCI من أن «اتصال وزير الخارجية السعودي بالرئيس بري تم خلاله تأكيد موقف الجانبين في ما خص دعم الجهود المبذولة لتحقيق وقف دائم للنار وتَمَسُّك لبنان باتفاق الطائف».
وأفادت الخارجية السعودية بأن بري «أشاد بدور المملكة في دعم لبنان، خلال اتصال هاتفي مع الأمير فيصل بن فرحان، حيث جرى بحث آخر التطورات في لبنان. كما أكد بري رفضه كل ما يهدد المملكة ويمس أمنها»، موضحة أن وزير الخارجية أكد «دعم المملكة لاستقرار لبنان وتمكين مؤسساته».
وكان عون أوّل مَن أضاء على الدور الرئيسي الذي أدته الرياض في بلوغ وقف النار من خلال شكرها «بالاسم» في الكلمة التي وجّهها الى اللبنانيين قبل أسبوع، ليتوّج هذا الامتنان في الاتصال الذي أجراه ليل الأربعاء بولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، وشكره «على وقوفه شخصياً والسعودية إلى جانب لبنان، والدعم الدائم للبنانيين لاسيما في الظروف الصعبة التي يمرون بها»، ناقلاً عن بن سلمان «دعم المملكة للبنان وللشعب اللبناني الشقيق والعمل لإنهاء معاناته».
وفي الوقت الذي كشفت تقارير في بيروت (وكالة الأنباء المركزية)، أن الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان كان زار باريس في الساعات الماضية، في سياق المساعي الدبلوماسية متعددة الاتجاه التي تبذلها الرياض من أجل تمديد عمر الهدنة في لبنان ولجم تفلّت إسرائيل جنوباً «بما ان هاتين الخطوتين أساسيتان للمضي قدماً نحو مفاوضات مباشرة»، فإنّ هذه الدينامية السعودية كانت مرّت قبْلها بتواصل شمل معاونَ رئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل الذي زارها أخيراً «متمسكة امامه بالطائف وبالسلم الاهلي، ومطالبة عين التينة بمساندة خيار عون ورئيس الحكومة نواف سلام» بالتفاوض، قبل أن تستقبل أحد مستشاري الرئيس اللبناني العميد أندريه رحال.
وقد زار الموفد السعودي، تباعاً عون «وكانت جولة افق تناولت الأوضاع الراهنة في ضوء التطورات الأخيرة ودور المملكة في مساعدة لبنان على تجاوز الظروف الصعبة التي يمر بها»، قبل أن يلتقي بري ثم سلام، من دون أن يُدلي بأي مواقف.
وتقاسَم الحِراك السعودي في اتجاه لبنان المشهد مع الجولة الثانية من المحادثات التمهيدية مع اسرائيل التي عُقدت في واشنطن على وقع تصدُّعاتٍ في وقف النار الهش - ترتبط «صلاحيته» الزمنية من جانب حزب الله حُكْماً بصمود الهدنة وبقائها على جبهة إيران - بدت في سياق محاولة تل ابيب التهيئة «تحت النار» لأرضية المفاوضات المباشرة وإطارها الناظم و«المنتج النهائي» المنتظَر منها، في مقابل سعي الحزب لإبقاء «ربط النزاع» بالنار قائماً لمزيد من التفعيل بحال اقتضت «الجبهة الأمّ» ذلك، بذريعةٍ جاهزة يوفّرها الاحتلال الاسرائيلي لنحو 60 بلدة جنوب الليطاني تشكل منطقة الدفاع الامامي التي أقامها ومنْع التحرك جنوب خط 21 بلدة هي واقعياً «حدود» النطاق العازل.
«جريمة موصوفة»
وحضرت على طاولة واشنطن، إلى جانب طلب لبنان تمديد الهدنة لما بين 20 و40 يوماً، الخروق الاسرائيلية لوقف النار، والتي اتخذت شكلَ تجريف وحرق للعديد من البلدات المحتلة، وصولاً لما اعتبره لبنان الرسمي «جريمة موصوفة» باستهداف مقصود للصحافية في جريدة «الأخبار» آمال خليل التي قضت تحت الأنقاض بعد استهداف عن سابق تصور وتصميم تُركت في أعقابه لـ «قتْل بطيء» بحرمانها حق إسعافها بعد إنقاذ زميلتها المصورة في بلدة الطيري المحتلة.
وإذ كشف مصدر رسمي لبناني عشية الجولة الثانية من المحادثات التمهيدية على مستوى السفراء أنّ الحكومة اللبنانية تشترط على إسرائيل تمديد وقف النار كشرط لرفع مستوى التمثيل بالمفاوضات والانطلاق بها، نقلت «اندبندنت عربية» عن مصادر من داخل السفارة اللبنانية في واشنطن أن السفيرة ندى حمادة معوض «ستطرح المطلب الأساسي للبنان والذي يتمثل بتمديد وقف النار ووقف فوري للتدمير المنهجي للقرى في جنوب لبنان، وكذلك الهجمات على المواقع الدينية وإلحاق الأذى بالمدنيين، بما في ذلك الصحفيون والعاملون في المجال الإنساني».
وأوردت عن مصادر دبلوماسية أن الوفد الإسرائيلي طلب في الجلسة الأولى أن تحصل المفاوضات بين لبنان وإسرائيل ضمن مسارين منفصلين، الأول دبلوماسي سياسي يبحث اتفاق السلام، والثاني عسكري يتناول الأمور الأمنية والتقنية، فيما سيطرح الإسرائيليون في الجولة الثانية القبول بتمديد الهدنة مقابل البدء فعلياً بالمفاوضات المباشرة بين البلدين وأن تنتهي الجلسات التحضيرية، وان الجانب الإسرائيلي يريد رفع تمثيل البلدين في المفاوضات إلى لجان حكومية أو عبر وزارة الخارجية في كلا البلدين.
وفي حين أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن اسرائيل تدرس بإيجابية طلب لبنان تمديد وقف النار، كشفت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن الوفد الإسرائيلي سيطالب بيروت بـ «إلغاء القانون الذي يحظر الاعتراف بها أو عقد لقاءات معها».