قيم ومبادئ

فن الإقناع الآلي

23 أبريل 2026 10:00 م

على الرغم من طول المدة من الغزو العراقي للكويت إلى اليوم، لم يتمكن العراق من بناء أسس الثقة مع دول الجوار... ولما جاء الاعتداء الإيراني الغاشم زاد الطين بلّة، بانطلاق المسيرات من أراضيه، ومع هذا الفعل هدم كل أساس للعلاقات مع دول العالم بشكل عام ومع دول الخليج بشكل خاص... بحيث يحتاج إلى نصف قرن من الزمان لإعادة هذه العلاقة مع دول الجوار من جديد!

استغربت جداً في مواقف البعض في التزام الصمت (صمت القبور) عن إدانة العدوان الإيراني الغاشم على دولتنا الحبيبة الكويت. ولما استنكر الناس صمتهم أخذوا يتكلمون عن أمور أخرى ليس لها علاقة من قريب أو بعيد بشجب وإدانة العدوان رغم شدة وضوح الأمور! ولعل لهذا ما يبرره مما يسمى بـ(فن الإقناع الآلي) أو فن الاضطرار إلى الاختيار... على الرغم من استخدامهم لفنون الخطابة والدعاية وفن تصوير الأفكار والآراء والتوجهات على الصورة التي تسوق الجماهير في الكويت إلى القيام بعمل مرغوب فيه وإغضاء الطرف عن الأهم؟ وهو إدانة العدوان!

وهذا الفن الجديد ليس وليد اليوم والليلة، ويمكن أن يصل إلى تبديل آراء الإنسان من النقيض إلى النقيض بعملية تبديل نمط الشخصية في تكوينها العقلي، فلا يدري صاحب الشخصية كيف حدث هذا التحول في تفكيره ومسلكه، لأن تأثيره كتأثير علاج البتر للأعضاء وأنماط العلاج بالعقاقير! ويمكن تلخيص هذه العملية بثلاثة أقسام أولها التلقين والإيحاء وتليها عملية غسيل الدماغ وثالثاً السيطرة والرقابة على الأفكار...

وتبدأ عملية التلقين منذ الصغر بالإكثار من الأسئلة بحيث يتمكن المُلقّن من معرفة مكنون هذه الشخصية، وبالتالي تصنيفها إلى ثلاثة أقسام أولها عسير لا يمكن تحويله. والثاني، عسير يخضع للعلاج، والثالث، سهل مطيع خاضع للإقناع الآلي... أما وسيلة غسل الدماغ وهنا يستلزم سحق الشخصية حتى تعجز عن المقاومة فيتقبل الإنسان كل ما يُلقى إليه ثم يصدقه ويؤمن به ويتعصب له... حتى يخرج من العلاج مخلوقاً آخر غير المخلوق الذي بدأت معه المحاولة. فيصبح لا أثر للوطنية عنده ولا قيمة للجنسية الكويتية التي يحملها، فقد تبدلت عنده القيم وتغيرت الموازين...

أما المقصد الثالث من هذا الفن الجديد فهو تخريج المُريدين على درجات إلى التشويق بالأسرار وخلع الألقاب والمصالح، وتنظيم الندوات والمؤتمرات (المؤامرات) وعرض المناقشات، واستغلال الخفايا والرموز، وتالياً التحكم في تيسير وصول بعض أفكار الجماعة أو الحزب، وتعسير وصول بعضها أو الاحتيال على وصوله بعد إثارة الشكوك حوله وإحاطته بالتهم والشبهات! وهذه آفة استغلال الدين من أجل السياسة!

تاريخياً.. امتلأت مكتبة الدراسات النفسية بمئات الملايين من المؤلفات بجميع اللغات التي كتبها علماء التربية وعلماء النفس والأطباء الجراحون تخصص (مخ وأعصاب) والأمراض العصبية... في موضوع التلقين وغسيل الأدمغة، فثبت من هذه المعلومات أن كثيراً من التجارب التي أجريت بعد الحرب العالمية الثانية تحديداً كان لها أثر فعّال في انتزاع الأوهام التي غرستها مخاوف الحرب العالمية في أذهان المقاتلين والمدنيين، وأنها قد يُساء استخدامها في محاولات غير مشروعة لتخدير الإرادة وإملاء الخواطر التي يرفضها المصاب كل الرفض لو رجع الأمر إلى صحيح اختياره، وقد يعالج بمثلها للخلاص مما أُقحم على ذهنه من الدوافع والخواطر ليملك حريته في العودة إلى ما كان عليه قبل إخضاعه لذلك (الإقناع بالإكراه).

فهل تتمكن إيران بعد كل هذا الدمار من إعادة أسس العلاقة الصحيحة مع محيطها الخليجي والعربي والإسلامي؟ والجواب يرجع إلى طبيعة النظام الإيراني الجديد ومدى استيعابه الدرس!