هل بدأ التشقّق داخل بيت المرشد؟

23 أبريل 2026 10:00 م

في الأنظمة المغلقة، لا تُقاس الهزّات بما يُعلن... بل بما يُلمّح إليه. ليست العواصف دائماً في الشوارع، بل كثيراً ما تبدأ همساً داخل الغرف الثقيلة، حيث تُكتب القرارات وتُدار المصائر. ومن هناك تحديداً، خرجت جملة قصيرة -مرتبكة في ظاهرها، خطيرة في معناها- تسأل: من يتحدث باسم المرشد؟

ذلك السؤال، الذي طُرح من محيط محسوب على تيار سعيد جليلي، لا يمكن قراءته كزلة لسان أو انفلات حساب على منصة. في سياق دولة تُحكم عبر تراتبية صارمة، حيث الكلمة تُوزن بميزان الأمن قبل السياسة، يصبح التشكيك في مصدر القرار ليس مجرد اعتراض... بل اختراقاً لجوهر النظام ذاته. لأن الشرعية في «الجمهورية الإسلامية» لا تقوم فقط على النص الدستوري، بل على ما يمكن تسميته بـ«احتكار الصوت» — صوت مجتبى خامنئي، بوصفه المرجع الأعلى، والمُفسّر الأخير لكل توجيه.

حين يُطرح السؤال بهذه الصيغة - «إن كانت الأوامر من المرشد، فليتحدث بنفسه»- فإنه لا يستفهم، بل يُلمّح. لا يطلب توضيحاً، بل يضع احتمالاً خطيراً: أن الصوت قد اختُطف، أو على الأقل... أُعيد تفسيره من داخل الدائرة الضيقة.

وهنا، يدخل النظام مرحلة حساسة من تاريخه: مرحلة الشك داخل اليقين.

ليست هذه المرة الأولى التي تظهر فيها شقوق داخل البنية الإيرانية، لكنها من المرات القليلة التي يُطرح فيها السؤال من داخل التيار الأكثر تشدداً، لا من خصومه. وهذا فارق جوهري. لأن الخلاف بين الإصلاحيين والمحافظين كان دائماً جزءاً من توازن محسوب، لعبة داخل النظام لا تهدد قواعده. أما حين يبدأ التشدد نفسه بالتشكيك... فالمعادلة تتغير.

في علم السياسة، تُعرف هذه اللحظة بـأزمة المصدر (Crisis of Authority Source)—حين لا يعود الخلاف على القرار، بل على من يملك حق إصداره. وهي أخطر بكثير من أي معارضة تقليدية، لأنها تضرب “مركز الثقل” بدل الأطراف.

قد لا يكون هناك انقلاب. بل من شبه المؤكد أنه لا يوجد انقلاب بالمعنى الكلاسيكي. لا دبابات في الشوارع، ولا بيانات تُتلى عبر الإذاعات. لكن التاريخ لا يُكتب دائماً بهذه الصورة. أحياناً، يبدأ الانقلاب الحقيقي بفكرة... بفجوة صغيرة بين القائل والمنسوب إليه القول.

داخل الحرس الثوري، الذي يُنظر إليه غالباً كجسم صلب، تتقاطع المصالح أكثر مما تتوحد. هو ليس كتلة واحدة، بل شبكة معقّدة من النفوذ العسكري والاقتصادي والأمني. وفي مثل هذه الشبكات، لا تظهر الانقسامات كصدام مباشر، بل كتباين في التفسير، واختلاف في قراءة اللحظة. ومن هنا، يصبح التساؤل عن «من يكتب البيانات» ليس تفصيلاً، بل مفتاحاً لفهم صراع أعمق: صراع على من يملك حق تفسير إرادة المرشد.

المفارقة أن الأنظمة التي تبني قوتها على المركزية الشديدة، تصبح أكثر هشاشة حين يُصاب المركز بالضبابية. لأن كل الأطراف تتحرك حينها بحثاً عن يقين بديل. وفي غياب الصوت المباشر، تتكاثر «النسخ» من الصوت... وتبدأ الفوضى الصامتة.

يقول هنري كيسنجر إن «السلطة الحقيقية هي القدرة على تحديد ما يُعدّ واقعاً»، وفي هذه اللحظة تحديداً، يبدو أن الصراع في طهران لم يعد على القرار... بل على تعريف الواقع نفسه.

السؤال الحقيقي إذاً ليس: هل وقع انقلاب؟

بل: هل فقد الصوت الواحد نقاءه؟

لأن اللحظة التي يُشكك فيها الأهل في البيت في صوت بيتهم... هي اللحظة التي يبدأ فيها التاريخ بكتابة فصل جديد، دون أن يُعلن ذلك لأحد.

X:Jzabandr